المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إلا هذا اللون الأحمر


DeviL
16-06-2005, 01:47 AM
إلا هذا اللون الأحمر


16/6/2005


في أواخر الثمانينيات أصدرت الطبعة الأولى من كتابي " الورد والهالوك: شعراء السبعينيات في مصر" تناولت فيه مجموعة من الشعراء الذين ظهروا في عقد السبعينيات، علا صوت بعضهم بحكم هيمنتهم على وسائط النشر، وخفت صوت البعض الآخر بحكم بعدهم عن هذه الوسائط أو وجودهم في الأقاليم بعيداً عن العاصمة.
الفريق الأول علا صوته دون موهبة حقيقية أو فن حقيقي وهو "الهالوك"، والفريق الآخر امتلك الفن والرؤية الناضجة المنتمية وهو "الورد".
وكان نشأت المصري (مواليد 1944) من الفريق المنتمي الذي نشرت له إحدى قصائده في كتابي، وللأسف لم أستطع وقتها أن أتناولها بالدرس والتحليل؛ لأسباب شتى، مع أن إنتاجه الشعري، والأدبي كان غزيراً ولافتاً، فقد أصدر أكثر من مجموعة شعرية، منها: "النزهة بين شرائح اللهب" 1979م، "كفى" 1985م، "القلب والوطن" 1986م، "الحلم المعاند" 1995م، كما أصدر بعض الدراسات منها: "صلاح عبد الصبور، الشاعر والإنسان" 1983م، "كيف تكون مؤمناً" 1988م، "معجزة النمل" 1999م، بالإضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال شعراً ونثراً، تقرب من عشرين كتاباً، وهو ما أهّله لينال جائزة الدولة التشجيعية في شعر الأطفال 1988م.
وهأنذا أحاول أن أكتب بعض السطور على سبيل التعريف بأحدث مجموعاته الشعرية "إلا هذا اللون الأحمر" وآمل أن أوفق في محاولتي.
النزهة بين شرائح اللهب

مشكلة الإنسان داخل الوطن الأصغر والوطن الأكبر، هي الهاجس الذي يلح على "نشأت المصري" وينتظم قصائده، منذ مجموعته الأولى "النزهة بين شرائح اللهب" حتى المجموعة التي بين أيدينا، هذا الإنسان في سعيه نحو الحرية والكرامة والاستقلال ومقاومته لقوى القهر والتخلف والاستبداد والاحتلال – هو قضية الشعر عند الشاعر، الإنسان العربي في مواجهته لجبروت الطغاة القادمين من مواقع الصلف والغطرسة والغرور، هو موضوع القصائد التي نطالعها في المجموعات العديدة للشاعر.
وفي المجموعة الجديدة "إلا هذا اللون الأحمر" يظفر الإنسان الفلسطيني في انتفاضته الباسلة بمعظم قصائد المجموعة، التي كتبها الشاعر في العامين الأخيرين، وأضاف إليها بعض القصائد القديمة منذ عام 1978م.
وكنت أود لو أنه جعل المجموعة خاصة بالانتفاضة الفلسطينية في عاميها الأخيرين، ونشر القصائد الأخرى في مجموعة أخرى، مع أن القصائد المضافة تدور في سياق قصائد الانتفاضة، حيث يبحث الإنسان العربي المسلم عن حلمه ويسعى إلى تحقيقه عبر مواجهة المآزق والمصاعب والعقبات التي تعترضه، ويدخل في سياق هذه القصائد معاناة الإنسان في البوسنة وفلسطين وغيرها.
إن الاكتفاء بقصائد الانتفاضة في هذه المجموعة يحقق لها وحدة شاملة في الأداء والصياغة والمناخ والزمان والمكان، فالانتفاضة موضوع اللحظة الراهنة بامتياز، وهي حديث الأمة في كل مكان، وهي بعد ذلك وقبله توق الشعوب الإسلامية إلى الكرامة والحرية والأمل، خاصة بعد أن تفجرت "العمليات الاستشهادية" الفريدة في بطولتها وتضحياتها ونماذجها، وحققت "توازن الرعب" أمام قوة الاحتلال الغاشمة.
يضفر الشاعر حديثه الشعري بعناصر عديدة، تضرب في جذور التاريخ المصري والعربي والإسلامي، ويستدعى رموزاً مهمة ذات دلالة في التعبير حين ترتبط بالواقع المعيش فتعطيه نكهة إنسانية خالصة، تمنح أبناء الأمة أملاً في المستقبل الذي أطفأه القهر والظلم والعجز، ومع أن بعض الأبيات قد تبدو جهيرة أكثر من اللازم، إلا أن السياق العام يحتملها ويتقبلها، لأنه يحتاج إلى مزيد من الدفع والدعم باتجاه الإشادة بالبطولة النادرة الفريدة، كما نرى في قصيدة "صور" التي تتناول بطولة الشهيدة "آيات الأخرس" ومطلعها:
"قالت آيات الأخرس:
تتجسد ذاكرة التاريخ المحنية
تأتي العجلات الحربية
تمرق من أسوان إلى القاهرة إلى القدس المسبية
أقبل جبّار مجدو
قائد قادش
رمسيس الثاني غادر موقعه في الميدان وصفق له ..
أهداني قنبلة نووية
لكني كنت أزف على أجنحة الشهداء ..".
قنبلة نووية لآيات الأخرس

في هذه الصورة التي يفتتح بها الشاعر قصيدته يستدعي "رمسيس الثاني" وهو قائد مصري قديم استطاع أن يستخدم العجلات الحربية في مواجهة الرعاة الغزاة الهكسوس الذين استباحوا مصر، ونهبوها واستولوا عليها لسنوات عديدة، حتى استطاع "رمسيس الثاني" أن يقاتلهم ويطردهم خارج حدود الوطن ويسجل لحظة فارقة بانتصاره التاريخي، وتأتي المفارقة هنا في إهدائه " قنبلة نووية" لآيات الأخرس، كي تقضي على الغزاة الجدد الذين استباحوا فلسطين وما حولها، وتسلحوا حتى أسنانهم بأسلحة الدمار الشامل، فضلاً عن الأسلحة التقليدية، وعم اليأس والإحباط جموع العرب والمسلمين، وبدت قدراتهم في مواجهة الغزاة الجدد "صفراً"، فإذا برمسيس ينهض مرة أخرى ويقدم القنبلة لآيات، ولكن "آيات" تتحول إلى قنبلة أقوى من القنبلة النووية في تأثيرها على العدو، فقد فجرت قوى نفسها في أفراد العدو، وزفت "على أجنحة الشهداء" إلى الجنة. المفارقة التي تصنعها هذه الصورة تبدو واضحة للغاية قنبلة نووية عدوانية تواجه قنبلة بشرية دفاعية، وبينهما رمسيس الثاني رمز للنهوض بعد اليأس المقيم والهوان العظيم.
من وسائل التعبير الشعري في هذه المجموعة "التضمين"، وللتضمين تأثيره الحي إذا استخدمه الشاعر بذكاء في ثنايا خطابه الشعري، فهو في هذه الحال يكثف معاني كثيرة، ويختزل السياق في إطار أكثر عمقاً ودلالة وارتباطاً باللحظة التاريخية والإنسانية.
ويشمل التضمين عند شاعرنا أمثالاً عامية أو قرآنية أو مقتطفات شعرية أو غير ذلك.

واقع العرب المهين

في قصيدة "رصد" يعالج الشاعر واقع العرب المهين من خلال مقطعات قصيرة مكثفة، نطالع واحدة تتضمن مثلاً شعبياً:
كيف على الظل تظل التيجان
أو ما سقطت أقنعة الجرذان؟!
اللافتة الآن:
"كدبة كبيرة ، مالي ومالك
دانت ف حالي، وأنا ف حالك".
ولا ريب أن الواقع العربي الذي يتسم بالهوان والأنانية، قد كشفته الأحداث المتتابعة، وهي الأحداث التي أسقطت أدعياء البطولة وزعماء الأكاذيب، فقد كانوا يتصوّرون أن هناك من يصدقهم، وربما كانوا من كثرة الكذب يصدقون أنفسهم، ولكنهم عن الاختبار انكشفوا، وسقطوا، وتمخضت الأحداث "عن كدبة كبيرة" كما يقول المثل العامي البسيط العميق.
وفي قصيدة "حبيبتنا تقول لنا" يقدم لنا الشاعر نوعين من التضمين، أولهما: من القرآن الكريم، والآخر من الشعر القديم.
تتناول القصيدة خواطر الشهيدة الفلسطينية التي فجرت نفسها في الأعداء، وتخاطب العرب الذين يعيشون الهزيمة والإحباط، ويتصورون أن واقعهم سيظل أسير الهزائم والنكبات، فتنبههم إلى بطلان هذا التصور وتحرّضهم على المواجهة والفداء؛ فالدماء هي طريق الانتصار في كل الأحوال:
"دماء الحر
جواز سفر
إلى ما يراه بصر
وزغرودة
أفي آذانكم وقر على وقر
فأوصيكم بألاّ تدمنوا الكربا
وإنْ أعلنتم الحربا
وصار السجن للأوغاد
وليس كلامكم كذبا
أعاهدكم بأن أرجع
وألبس خوذة الشجعان .."
وهنا يضمن الشاعر قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون).[فصلت: 5] حيث ورد لفظ "الوقر" الذي يعني الثقل والصّمم، ويحول بين فهم ما يُقال ويُسمع، وقد ورد اللفظ في السورة ذاتها مرة أخرى في الآية: 44 كما ورد في سورة [الأنعام: 25 ]، وسورة [الإسراء: 46] وسورة [الكهف: 57] وسورة [لقمان: 7] وسورة [الذاريات: 2] بالمعنى ذاته، وهو عدم الرغبة أو العجز عن الفهم والوعي بما يجرى ويحدث، وكأن الشاعر ينبه إلى موقف قديم للكفار حين تجاهلوا الحق والصواب، فكانت النتيجة خسراناً مبيناً، واليوم يؤكد الشاعر على لسان الفلسطينية الجميلة الشهيدة أن التضحية الحقيقية، مع الحرية الحقيقية، مع الكلام الصادق، هي الطريق الأمثل إلى الكرامة والعزة والتقدم.
ويأتي "التضمين" من الشعر القديم مرتبطاً بالتضمين من القرآن الكريم، ليكمل الصورة التي ترجوها الشهيدة الفلسطينية الجميلة لأمتها وشعبها حيت تقاوم وتضحي وتهزم الأعداء الغزاة. إنه يضمن قصيدته "حبيبتنا تقول لنا" بيت الشاعر القديم "عمرو بن كلثوم" المشهور:
إذا بلغ الفطامَ لنا رضيعٌ تخرّ له الجبابر ساجدينا
فيقول:
وقد كنا
تخرّ لنا الجبابر ساجدينا
ليصرخ كلنا: كلا
لنصبح من بني الإنسان
إذا قلنا، وما هنا
زرعنا القمح والبارود..
فالشاعر هنا حين يلتفت إلى الماضي ويرى ما فيه من عزة وكرامة، ومتعة واستقلال، يستدعيه مباشرة من خلال الشاعر القديم الذي بالغ مبالغة شديدة في التعبير عن قوة قبيلته، لدرجة أن الطفل الرضيع حين ينفطم عن ثدي أمه تسجد له الجبابرة اعترافاً بهيمنة القبيلة وسلطانها الذي لا يُنازع، وكما نرى، فالشاعر الجديد لا يستدعي الشاعر القديم لمجرد المفاخرة والمباهاة، ولكنه يستدعيه من خلال العناصر والأسباب التي تجعل خضوع الجبابرة أمراً حقيقياً وطبيعياً، وهو ما نراه في الفعل "زرعنا القمح والبارود .." وما بعده في القصيدة، أي أن المسألة مرهونة بالعمل الشاق الجادّ المنظم في كافة الاتجاهات لتحقيق المجد القديم في العصر الحديث.
ولعل هذا الأمر يتضح أكثر في قصيدة "الشوق لا يكفي"، وكأن الشاعر يخبرنا أن الحلم باستعادة الماضي الذي تخرّ الجبابرة فيه ساجدين للطفل العربي الفطيم، لا يتحقق بمجرّد الشوق أو التمنّي، ولكنه يتحقق إذا عبرنا حدود الخوف وغائلة الصمت، واستخدمنا لغة العصر الرسمية التي تتمثل في بناء القوة، وهاهو يستدعي مثلاً شائعاً يضمنه قصيدته تعبيراً عن مفارقة الخوف والشجاعة من خلال تجربة فلاح مصري:
"صرخ "حميدة"
الفلاح المصري الشاب:
يا أحباب ..
كنت رديئاً أمشي بجوار الحائط
وعبرت حدود الخوف، وغائلة الصمت
أحمل قنبلة فضية
.. لغة العصر الرسمية
وعلى الخط الرملي الفاصل في رفح استشهدت
وصعدت .. صعدت
صرت رئيساً ديمقراطياً ..
بطلاً حطينياً
ودمي لا يزال طرياً وندياً ..
فالشاعر يستدعي المثل الذي يعبر عن الخوف والمهادنة والجبن الذي يردّده العامة في المواقف الصعبة ليحظوا بالأمان "أمشي بجوار الحائط" أي بعيداً عن الطريق الذي يغصّ بالناس والأحداث، ويسبب الاقتراب منهم مشكلات لا حدّ لها، وهنا يقول الشاعر عن تجربة الفلاح المصري "حميدة" الذي ذهب إلى مدينة رفح المصرية الفلسطينية، وهناك قام بمبادرته التي ذهبت به شهيداً، إن "حميدة" كان يمشى بجوار الحائط – ويلاحظ أن لفظة "رديئاً" جاءت ثقيلة في السياق وغريبة، وحبذا لو وضع الشاعر مكانها كلمة أخرى، مثل: جباناً، أو طريداً، أو كئيباً – ولكنه تغلّب على خوفه وجبنه وامتلك الشجاعة، وسافر من قريته إلى الحدود المصرية الفلسطينية، وأثبت أن الفعل أقوى من الكلام، وأصدق من التمني، حتى لو دفع ثمنه من دمه وحياته، وهو ما ينبغي أن يكون عليه السلوك الجمعي للأمة حتى تتجاوز واقعها المهين.

~*~عاطفية~*~
16-06-2005, 10:49 AM
ديفل يعطيك العافية على الموضوع الروعه

Nathyaa
16-06-2005, 11:41 AM
يسلموووووووووووووووو مراقبنا علي ماكتبت

DeviL
18-06-2005, 09:46 PM
انا حاضر حق المنتدى

والله يعطيكم العاااااافيه

على مروركم الداااااائم

ROLZ
19-06-2005, 07:56 AM
يسلمو ديفل
وعساك على القوه دوم
جهدك تشكر عليه صراحه

غشمرجيه
19-06-2005, 06:15 PM
والله طلع مو هين اللون الاحمر لووووووووول
يعطيك العافيه على الموضوع ديفل

DeviL
21-06-2005, 06:01 AM
غشمرجيه داااااااايم تبين اتكونين قريبه لتعبير النكنيم مااااالج الله يعطيج العافيه


مشكورين على مروركم الداااااااائم