ROLZ
31-05-2005, 04:06 PM
يقول أحد الأساتذة: ذهبت إلى مدرستي الجديدة، وأنا واثق من نفسي، متفائل بعملي كمعلم، دخلت وسلمت على الأخوة والزملاء وعرّفتهم على نفسي، وكنت أتحدث مع بعض المعلمين، وكالعادة نصائح أخوية وإرشادات مغلفة بـ (شوكلاته) الشفقة والرحمة ، فكانوا يقولون:
أحذر من الفصل الفلاني؛ لأن فيه ولد شيطان؛ سبّب الإزعاج للمدرسة وهو كثير المشاكل، وشكله كذا وكذا، واسمه فلان.
الله المستعان، ما هذا الصداع؟ ما هذه البلوى؟ وما هذه الكارثة؟ وأنا بصراحة ما أحب المشاكل، وهل ممكن أجد مكاناً ليس فيه مشاكل!
يالله إنها ساعة عصيبة تلك التي أتجه الآن فيها إلى صف ذلك الشيطان، وأنا أتقدم بخطى ثقيلة، وأتساءل هل يمكن أن أدرّس شيطان في حياتي؟! .. "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"، بسم الله، وفتحت باب الصف.
دخلت وقلت: "السلام عليكم"، فرد الطلاب جميعاً- بصوت بريء-: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، وكان بعضهم واقف فجلس، وبعضهم يلتفت إلى الوراء فاعتدل، وبعضهم ينادي على بعض دخل الأستاذ، ويا للهول لقد وجدت صاحبنا- الشيطان- جالساً في المقدمة، ماذا أقول له؟ هل أرده في الخلف؛ حتى- لو قدر الله شيء- أكون بعيداً عن الموضوع، وقريب من باب الخروج وقت الطواريء، وبقيت في دوامه، وأغرقت في التفكير قُطع بصوت الطلاب يقولون: "حياك الله يا أستاذ"، قلت: "الله يحييكم، ويبارك فيكم"، وقلت في نفسي: ويخارجني منكم!!.
فنظرت إلى [الشيطان] وقلت له: "أنت فلان"، قال بسرعة: "نعم"، فكاد قلبي ينخلع من مكانه (يعني كاد يطير والله يستر)!!.
فقال: "يا أستاذ كيف عرفتني؟!".
يا للمصيبة التي حلت، ماذا أقول له؟ هل أخبره أنه شيطان وأنه مشهور بفعاله فأخشى أن أراه في المنام.
لكني تمالكت نفسي وقلت: "كيف ما أعرفك وأنت مشهور على مستوى المدرسة، والمعلمين يذكرونك بالخير، وبصراحة أحب إني أتعرف على المتميزين والمهمين مثلك"!! ثم واصلت حديثي فتكلمت عن هموم الطلاب، وأفرحتهم قليلاً ببعض القصص الهادفة، ثم ذكرت أن كل طالب متميز عندي حتى ولو أخطأ، ولا أريد أن يسخر بعضكم من بعض إذا أخطأ لأننا في مقام تعليم، وكان هدفي أن أجعل لي قاعدة ومنهج مع الطلاب، وحتى أريح بالي من وجع الرأس، ثم قلت: أيها الطلاب أن لديّ مرض خطير لم أستطع أن أتعالج منه إلى الآن،
وهذا المرض مشكلة في حد ذاته، فقالوا: "سلامات يا أستاذ، ما ترى بأس".
قلت: "مرضي عجيب وغريب، وهو أني إذا أخذت عن أحد فكرة جيدة من أول وهلة تبقى راسخة في ذهني حتى ولو أخطأ، وإذا أخذت عن أحد فكرة سيئة ورأيت أنه صاحب مشاكل، فلن يسلم مني أبداً".
فقالوا: "إن شاء الله (ما تشوف) منا إلا كل خير يا أستاذ".
فقلت في نفسي: الحمد لله، و تنفست الصعداء.
ثم قربت من صاحبنا- الشيطان - وربت على كتفه وقلت يبدو أنك أحسن واحد وأفضلهم!!.
فنظر إلي بعينين تكاد دموعهما أن تخرج، وبصوت المتفائل بي، وقال: "إن شاء الله يا أستاذ أعجبك، وتأخذ عني فكرة جيدة".
عجبت من لطافة رده، ولكن يجب عليّ أن أحذر لأنهم يقولون: ( أحذر من الحيّة الرقطاء) لكنه كان هاديا، ويحاول أن يشارك ويبرز نفسه على أنه متميز وفاهم، ويعجبني في نفس الوقت في اهتمامه وهدوءه، ووجدت منه صدق الكلام، وأدب الاستئذان، ولطافة الحديث، وانتباهه الشديد لي وتفاعله معي، وكنت أذكر بعض الطرف أثناء الشرح فأجده يتفاعل معها ويضحك ضحكا أشفقت عليه من ذلك الضحك، وكأنه لم يكن يعرف الضحك قبلها بل كان يعرف التوبيخ، والسخرية وخلك واقف وأرفع الكرسي فوق رأسك، كما كانت
تتقطع يديه من كثرة الضرب القاسي عليها، وكنت أذكر المواقف أو القصص الحزينة فانظر إليه فأجده يمسح دموعه؛ تأثراً وحزناً.
قلت له يوما:" ما الذي أعجبك فيّ يا فلان؟".
فقال: "يا أستاذ، أنت تتركنا نشارك، ولا تحرجنا إذا أخطأنا، وبصراحة كلنا نحبك، لأننا نشعر إنك تحبنا، وتقدم لنا نصائح وقصص جميلة"!!
آه الآن وجدت السر وعرفته؛ إنه يحتاج إلى الرعاية والاهتمام والتشجيع والتبسم الدائم له ولغيره، فعرفت أن حكم المعلمين على مثل هذا الطالب لم يكن في مكانه، لماذا نسمع من الآخرين في حكمهم على الطلاب؟، وخاصة في التحذير من عناصر معينة، هل جربنا معه وسائل الترغيب بدلاً من وسائل الترهيب التي نتقنها جميعا، بل ونعطي فيها دروس مجانية للمعلمين الجدد، ولماذا نؤجر عقولنا للآخرين، وهل كل ما يقوله الناس صحيحاً، أليس هذا الطالب وغيره يخطئ ويصيب؟ ألا يحتاج منا العطف والحنان والرفق؟ إن صفعة في وجهة، أو تقبيح له، أو احتقاره وإذلاله، أو النظرة السوداء لمثل هؤلاء الطلاب تقضي على مستقبل حياته، لأنه يشاهد مستقبله من خلال عينيك يا أستاذ! فنظرة المعلم للطالب هي مستقبل حياته.
نعم لقد عاش هذا الطالب ذاك العام في جو مختلف ووجدت أن الطالب هو طالب لا يختلف عن غيره، ولكنه يحتاج إلى التوجيه والإرشاد، والتغافل عن بعض الأخطاء، ويحتاج إلى التشجيع المادي والمعنوي (وأحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم(
ولا انس ذلك الموقف مع نهاية العام عندما قلت لهم: هذه آخر حصة أقابلكم فيها وسوف أنتقل إلى مكان آخر، فوضع رأسه منكساً على الطاولة وقد خنقته العَبرة، واغرورقت عيناه بالدموع. وكأن هموم الدنيا أتت إليه مرة أخرى، لأنه- في نظره- لن يجد من يفهمه أو يتعامل معه بلين واحترام.
صدقوني يا كرام: الناس تريد منا احترامهم وتقديرهم وتفهم مشاعرهم، وستجد النتيجة مبادلتك بأكثر مما تتوقع، كل إنسان مكتوب على جبهته (أرجوك احترمني(
لقد قسى الزمان على كثير من الطلاب، فهل نعين الواقع الأليم عليهم؟ وهل نزيد من الآلام والجراح أكثر مما هي موجودة عليه، وهل نضع الشاب في موقف حرج وهو يواجه الفتن من كل حدب وصوب، أين الرحمة والشفقة التي تأسر القلوب؟
إن هذا الشاب قد تجرع ذل وإهانة معلميه، وكل واحد يوص الآخر بفنون جديدة في مقاطعته ( وكأنه من البضائع المحرمة) وشن الحرب عليه، وحكايته حكاية الآلاف ممن هم مثله، فأنحرف مستقبل أكثرهم، ويأسوا في حياتهم، ويأتي من لا يبالي ليحطم مستقبلهم على صخرة القسوة، وهل ينتظر من شاب نفع، وهو يشاهد معلمه مقطب الجبين يرعد ويزبد، أغلب كلامه: أذهب (شوف) لك مكان غير الدراسة أفضل لك، عندها نصنع أمامه أبواب مغلقة ومقفلة بالحديد، ليقوم بعدها بالتسخط على التعليم والأساتذة، ويتففن في الانتقام من مجتمعه الذي ظلمه فيظهر التمرد عليه، وفي المقابل يشغل فراغ قلبه فيعجب بالأفكار الدخيلة ويتبناها، لأنه يجد أنها المتنفس الوحيد لإثبات وجوده.
وقد لا يشعر المربي أن كلمات تهدم وكلمات تبني، وأن مستقبل هؤلاء الطلاب بيديك أنت أيها المربي، وإذا طاب الغرس طاب الثمر. ولو ترك للطالب أن يعبر عن مشاعره لصرخ بأعلى صوته:" أرجوكم أفهموني، أتركوا لي فرصة، لا تحرجوني أمام زملائي".
أحذر من الفصل الفلاني؛ لأن فيه ولد شيطان؛ سبّب الإزعاج للمدرسة وهو كثير المشاكل، وشكله كذا وكذا، واسمه فلان.
الله المستعان، ما هذا الصداع؟ ما هذه البلوى؟ وما هذه الكارثة؟ وأنا بصراحة ما أحب المشاكل، وهل ممكن أجد مكاناً ليس فيه مشاكل!
يالله إنها ساعة عصيبة تلك التي أتجه الآن فيها إلى صف ذلك الشيطان، وأنا أتقدم بخطى ثقيلة، وأتساءل هل يمكن أن أدرّس شيطان في حياتي؟! .. "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"، بسم الله، وفتحت باب الصف.
دخلت وقلت: "السلام عليكم"، فرد الطلاب جميعاً- بصوت بريء-: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، وكان بعضهم واقف فجلس، وبعضهم يلتفت إلى الوراء فاعتدل، وبعضهم ينادي على بعض دخل الأستاذ، ويا للهول لقد وجدت صاحبنا- الشيطان- جالساً في المقدمة، ماذا أقول له؟ هل أرده في الخلف؛ حتى- لو قدر الله شيء- أكون بعيداً عن الموضوع، وقريب من باب الخروج وقت الطواريء، وبقيت في دوامه، وأغرقت في التفكير قُطع بصوت الطلاب يقولون: "حياك الله يا أستاذ"، قلت: "الله يحييكم، ويبارك فيكم"، وقلت في نفسي: ويخارجني منكم!!.
فنظرت إلى [الشيطان] وقلت له: "أنت فلان"، قال بسرعة: "نعم"، فكاد قلبي ينخلع من مكانه (يعني كاد يطير والله يستر)!!.
فقال: "يا أستاذ كيف عرفتني؟!".
يا للمصيبة التي حلت، ماذا أقول له؟ هل أخبره أنه شيطان وأنه مشهور بفعاله فأخشى أن أراه في المنام.
لكني تمالكت نفسي وقلت: "كيف ما أعرفك وأنت مشهور على مستوى المدرسة، والمعلمين يذكرونك بالخير، وبصراحة أحب إني أتعرف على المتميزين والمهمين مثلك"!! ثم واصلت حديثي فتكلمت عن هموم الطلاب، وأفرحتهم قليلاً ببعض القصص الهادفة، ثم ذكرت أن كل طالب متميز عندي حتى ولو أخطأ، ولا أريد أن يسخر بعضكم من بعض إذا أخطأ لأننا في مقام تعليم، وكان هدفي أن أجعل لي قاعدة ومنهج مع الطلاب، وحتى أريح بالي من وجع الرأس، ثم قلت: أيها الطلاب أن لديّ مرض خطير لم أستطع أن أتعالج منه إلى الآن،
وهذا المرض مشكلة في حد ذاته، فقالوا: "سلامات يا أستاذ، ما ترى بأس".
قلت: "مرضي عجيب وغريب، وهو أني إذا أخذت عن أحد فكرة جيدة من أول وهلة تبقى راسخة في ذهني حتى ولو أخطأ، وإذا أخذت عن أحد فكرة سيئة ورأيت أنه صاحب مشاكل، فلن يسلم مني أبداً".
فقالوا: "إن شاء الله (ما تشوف) منا إلا كل خير يا أستاذ".
فقلت في نفسي: الحمد لله، و تنفست الصعداء.
ثم قربت من صاحبنا- الشيطان - وربت على كتفه وقلت يبدو أنك أحسن واحد وأفضلهم!!.
فنظر إلي بعينين تكاد دموعهما أن تخرج، وبصوت المتفائل بي، وقال: "إن شاء الله يا أستاذ أعجبك، وتأخذ عني فكرة جيدة".
عجبت من لطافة رده، ولكن يجب عليّ أن أحذر لأنهم يقولون: ( أحذر من الحيّة الرقطاء) لكنه كان هاديا، ويحاول أن يشارك ويبرز نفسه على أنه متميز وفاهم، ويعجبني في نفس الوقت في اهتمامه وهدوءه، ووجدت منه صدق الكلام، وأدب الاستئذان، ولطافة الحديث، وانتباهه الشديد لي وتفاعله معي، وكنت أذكر بعض الطرف أثناء الشرح فأجده يتفاعل معها ويضحك ضحكا أشفقت عليه من ذلك الضحك، وكأنه لم يكن يعرف الضحك قبلها بل كان يعرف التوبيخ، والسخرية وخلك واقف وأرفع الكرسي فوق رأسك، كما كانت
تتقطع يديه من كثرة الضرب القاسي عليها، وكنت أذكر المواقف أو القصص الحزينة فانظر إليه فأجده يمسح دموعه؛ تأثراً وحزناً.
قلت له يوما:" ما الذي أعجبك فيّ يا فلان؟".
فقال: "يا أستاذ، أنت تتركنا نشارك، ولا تحرجنا إذا أخطأنا، وبصراحة كلنا نحبك، لأننا نشعر إنك تحبنا، وتقدم لنا نصائح وقصص جميلة"!!
آه الآن وجدت السر وعرفته؛ إنه يحتاج إلى الرعاية والاهتمام والتشجيع والتبسم الدائم له ولغيره، فعرفت أن حكم المعلمين على مثل هذا الطالب لم يكن في مكانه، لماذا نسمع من الآخرين في حكمهم على الطلاب؟، وخاصة في التحذير من عناصر معينة، هل جربنا معه وسائل الترغيب بدلاً من وسائل الترهيب التي نتقنها جميعا، بل ونعطي فيها دروس مجانية للمعلمين الجدد، ولماذا نؤجر عقولنا للآخرين، وهل كل ما يقوله الناس صحيحاً، أليس هذا الطالب وغيره يخطئ ويصيب؟ ألا يحتاج منا العطف والحنان والرفق؟ إن صفعة في وجهة، أو تقبيح له، أو احتقاره وإذلاله، أو النظرة السوداء لمثل هؤلاء الطلاب تقضي على مستقبل حياته، لأنه يشاهد مستقبله من خلال عينيك يا أستاذ! فنظرة المعلم للطالب هي مستقبل حياته.
نعم لقد عاش هذا الطالب ذاك العام في جو مختلف ووجدت أن الطالب هو طالب لا يختلف عن غيره، ولكنه يحتاج إلى التوجيه والإرشاد، والتغافل عن بعض الأخطاء، ويحتاج إلى التشجيع المادي والمعنوي (وأحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم(
ولا انس ذلك الموقف مع نهاية العام عندما قلت لهم: هذه آخر حصة أقابلكم فيها وسوف أنتقل إلى مكان آخر، فوضع رأسه منكساً على الطاولة وقد خنقته العَبرة، واغرورقت عيناه بالدموع. وكأن هموم الدنيا أتت إليه مرة أخرى، لأنه- في نظره- لن يجد من يفهمه أو يتعامل معه بلين واحترام.
صدقوني يا كرام: الناس تريد منا احترامهم وتقديرهم وتفهم مشاعرهم، وستجد النتيجة مبادلتك بأكثر مما تتوقع، كل إنسان مكتوب على جبهته (أرجوك احترمني(
لقد قسى الزمان على كثير من الطلاب، فهل نعين الواقع الأليم عليهم؟ وهل نزيد من الآلام والجراح أكثر مما هي موجودة عليه، وهل نضع الشاب في موقف حرج وهو يواجه الفتن من كل حدب وصوب، أين الرحمة والشفقة التي تأسر القلوب؟
إن هذا الشاب قد تجرع ذل وإهانة معلميه، وكل واحد يوص الآخر بفنون جديدة في مقاطعته ( وكأنه من البضائع المحرمة) وشن الحرب عليه، وحكايته حكاية الآلاف ممن هم مثله، فأنحرف مستقبل أكثرهم، ويأسوا في حياتهم، ويأتي من لا يبالي ليحطم مستقبلهم على صخرة القسوة، وهل ينتظر من شاب نفع، وهو يشاهد معلمه مقطب الجبين يرعد ويزبد، أغلب كلامه: أذهب (شوف) لك مكان غير الدراسة أفضل لك، عندها نصنع أمامه أبواب مغلقة ومقفلة بالحديد، ليقوم بعدها بالتسخط على التعليم والأساتذة، ويتففن في الانتقام من مجتمعه الذي ظلمه فيظهر التمرد عليه، وفي المقابل يشغل فراغ قلبه فيعجب بالأفكار الدخيلة ويتبناها، لأنه يجد أنها المتنفس الوحيد لإثبات وجوده.
وقد لا يشعر المربي أن كلمات تهدم وكلمات تبني، وأن مستقبل هؤلاء الطلاب بيديك أنت أيها المربي، وإذا طاب الغرس طاب الثمر. ولو ترك للطالب أن يعبر عن مشاعره لصرخ بأعلى صوته:" أرجوكم أفهموني، أتركوا لي فرصة، لا تحرجوني أمام زملائي".