المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أثر الإسلام وتعاليمه في الحفاظ على الصحة العامة للفرد والمجتمع


DeviL
07-05-2005, 01:38 AM
أثر الإسلام وتعاليمه في الحفاظ على الصحة العامة للفرد والمجتمع

للدكتور قنديل شاكر شبير
المملكة الأردنية الهاشمية
عناصر الموضوع :

ا) مقدسة
2) مظاهر اهتمام الإسلام بالصحة الجسمية
أ- تنمية الصحة الجسمية إيجابيا- الرياضة- السباحة- ركوب الخيل
ب- الإعفاء من الفروض إذا تعرضت الصحة إلى الانحراف نتيجة هذه الفروض:
- السفر.
- المرأة الحائض .
- المرأة الحامل والمرضع.
- المريض.
!- الوقاية من الأمراض بتنمية اتجاهات إيجابية واتباع أسس الرعاية الصحية الثلاثة:
- الوقاية من الأمراض.
- العلاج للمرضى.
- التأهيل لمن أصابته عاهة أو مرض مزمن.
ا- الوقاية من الأمراض وتشمل:
- الاعتداء بالنظافة الشخصية.
- الاعتناء بنظافة الطعام.
- الاعتناء بنظافة البيئة.
- الامتناع عن تناول الأطعمة والأشربة التي تضر بالصحة.
- عدم الإفراط في الطعام والشراب.
- عدم الاقتراب من الملذات الشكلية التي تضر بالصحة.
- الوقاية من الأمراض المعدية.
- الوقاية من الحوادث.
- الوقاية من الأمراض الوراثية.
2- العلاج .
3- التأهيل.
3) نظرة الإسلام إلى المرض والمرضى.
4) خاتمة.

الصحة الجسمية وعناية الإسلام بها
مقدمة:
الإنسان في القرآن الكريم هو خليفة الله في الأرض، وهو مخلوقه المكرم الذي أمر الملائكة فسجدت له، وسخر له الأرض ليبني فيها ويعمر، قال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) (1). ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) (2) (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) (3) (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ) (4) وقال تعالى: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) (5) (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض ) (6) و (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ) (7)

هذه القيمة العظمى للإنسان في نظر الإسلام هي التي فرضت إحاطة مخلوق الله المكرم بسياج من الضمانات التي قررتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، لدرجة أن العدوان على الإنسان هو اعتداء على المجتمع بأسره.

والصحة في نظر الإسلام ضرورة إنسانية، وحاجة أساسية وليست ترفا، أو أمرا كماليا، ولحياة الإنسان حرمتها، ولا يجوز التفريط بها، أو إهدارها، إلا في المواطن التي حددتها الشريعة، قال تعالى؟ (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) (8).

كما يستدل من قول الرسول عليه الصلاة والسلام " كان فيمن قبلكم رجل به جرح، فجزع فأخذ سكينا، فحز بها يده، مما رقأ الدم حتى مات، فقال الله تعالى: (بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة) (9)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه " أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى، فطرحت جنينها، فقضى رسول الله r فيها بغرة عبد أو أمة" (1).

ومن يتأمل هدي رسول الله لمجد، يجده أفضل هدي يحفظ الصحة فإن حفظ الصحة موقوف على حن تدبير المشرب والملبس والمسكن والهواء والنوم واليقظة والحركة والسكون، فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن وظروفه ، (السن- محل السكن- السعادة) ، كان ذلك أقرب إلى دوام الصحة والعافية وحفظها وحمايتها، فقد روى الإمام أحمد في مسنده، من حديث ابن عباس قال، قال رسول الله r: " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ "(11). كما روى ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن محصن الأنصاري قال: قال رسول الله r: إ من أصبح معافى ، في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " (12).

وقد جاء الكثير من أحاديث رسول اللهr ، يبين أن صحة البدن وعافيته هي من أكبر نعم الله على الإنسان في الدنيا، فقد روي الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي r أنه قال: " أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له. ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد) (13)، وقد قال السلف الصالح في قوله تعالى: (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) (14) أي عن الصحة. كما روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي r قال للعباس:، يا عباس يا عم رسول الله سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة) (15).

ومنه عن أبي بكر الصديق قال سمعت رسول الله r يقول " سلوا الله اليقين والمعافاة فما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من العافية " (16). فجمع بين عافيتي الدين والدنيا، ولا يتم صلاح العبد ني الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة ، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه.".

كما روى النسائي في سننه من حديث أبي هريرة قال رسول r "سلوا الله العفو والعافية والمعافاة" (17)، فما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة. وفي الترمذي (ما سئل الله شيئا أحب إليه من العافية " (18).

والأحاديث، الكثيرة في شأن الصحة والعافية لهي أكبر دليل على اهتمام الإسلام ورسوله الكريم بحفظ الصحة والعناية بها، ولهذه العناية مظاهر وشواهد وآثار.

مظاهر عناية الإ سلام بصحة البدن:-
الإنسان س كون من جسد وروح، فبالجسد يتحرك الإنسان ويحس، وبالروح يدرك ويعي، ويحب ويكره، ولكل من الجسد والروح مقوماته ورغائبه ، فمقومات الجسد ورغائبه هي الطعام والشراب وغيرهما من الشهوات المادية واللذائذ الحسية، وقد تعرض الإسلام لهذه المقومات والرغائب بالتهذيب للمحافظة على صحة الأجسام، فقد ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة تعاليم واضحة للمحافظة على الصحة، أما مظاهر المحافظة على الصحة فهي:-

أ- تنمية القوة وتوفير الصحة الإيجابية بمفهومها الحديث:
إن صحة الأجسام وجمالها ونضرتها من الأمور التي وجه الإسلام إليها عناية فائقة، واعتبرها من صميم. رسالته ولن يكون الشخص في ميزان الإسلام راجحا محترم الجانب إلا إذا تعهد بتنمية قدراته الجسمية بالرياضة والسباحة وركوب الخيل ومختلف أنواع ألعاب القوى التي يتميز بها العصر، فقد حث القرآن الكريم على تنمية القوة عند المؤمن إذ قال تعالى: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) (19) وتشمل هذه القوة، صحة الأبدان وقوتها لمقابلة الأعداء وتحمل مشقات الحروب، وقال الرسول الكريم " المؤمن القوى خير وأحب إلى الله عز وجل من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (20) 0 إن ما يرشد إليه الحديث الشريف هو أن يكون المؤمن قويا في جسمه وعزيمته، وقال عليه الصلاة والسلام، علموا أبناءكم السباحة والرماية ونعم لهو المؤمنة في بيتها المغزل " (31).

ب- الإعفاء من الفروض:
وإلى جانب تنمية قوة الجسم بصوره الإيجابية المختلفة من رياضة سباحة، وركوب خيل، ومختلف أنواع ألعاب القوى التي يعرفها العصر، فقد اهتم الإسلام بعدم تعريض صحة الأجسام إلى ما يضعفها، فقد أسقط في ظروف خاصة، الفروض أو خفضها، وذلك إذ أباح للمسافر فوق مسافة معينة الإفطار في الصيام، قال تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضا أو على سفر، فعدة من أيام أخر " (22).

كما حرم الصيام على المرأة الحائض ، لما يرافق ذلك من ضعف الجسم نتيجة فاقد الدم في الطمث، هذا وقد أباح الإفطار للمرأة الحامل والمرضع التي تخشى على صحتها أو على صحة جنينها أو طفلها، وأوجب عليها القضاء في أيام أخر، أما المرضى فقد أباح الله لهم الإفطار، لأنهم لا يطيقون الصيام وأوجب عليهم الفدية في حالة استمرار مرضهم أو إزمانه ، قال تعالى: " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " (23).

كما آن الحاج الذي يتعرض جسمه للأذى نتيجة الإحرام. أعفاه الإسلام من الإحرام.
قال تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك له (24).

فأباح الإسلام للمريض الذي به أذى في رأسه أن يحلق رأسه في الإحرام وأن يلبس لباسا غير لباس الإحرام.

أما في الوضوء فقد أباح الإسلام للمسلم التيمم، إذا كان الماء يؤذي صحته قال تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا" (25).

هذا وقد نهى رسول الله r عن إتعاب الجسم وإنهاكه حتى في العبادة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: دخل على رسول الله r فقال ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت بلى، قال فلا تفعل قم ونم، وصم وأفطر فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا "(26).

ج - دعا الإسلام إلى تطبيق أسس الرعاية الصحية الثلاثة وهي الوقاية والعلاج والتأهيل كما أن الإسلام اعتنى بتنمية قوة الجسم، صحته، كذلك أوجب وقاية الجسم من حدوث الأمراض نتيجة لإهمال في قواعد الصحة العامة أو لتفريط في طعام أو شراب ، أو لانغماس في ملذات حسية تضر بالصحة.

ج - الوقاية من الأمراض:
ففي مجال الصحة الشخصية- كرم الإسلام جسم الإنسان، فجعل طهارته التامة أساسا لابد منه لكل صلاة ، وجعل الصلاة واجبة خمس مرات في اليوم، وكلف المسلم أن يغسل جسمه كله غسلا جيدا ني أحيان كثيرة، وربط هذا الغسل بالعبادات، فلا تصح العبادة بدونها.

د- الوقاية من الأمراض المعدية.
- وفي مجال الوقاية من الأمراض المعدية، وضع الإسلام قواعد الوقاية الصحية من الأمراض وأجزل العطاء لمن يلتزم بها ، ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r : " لا يوردن ممرض على مصح" (48)، وذلك منعا لانتشار الأمراض في المجتمع كما أنه يروى عن الرسول r أنه قال: " لا تديموا النظر في المجذومين" (49) . كما أنه r علم أن في وفد ثقيف رجلا مجذوما فأرسل إليه النبي r يقول له " ارجع فقد بايعناك " (50)

ولما خرج عمر إلى الشام ووصل إلى سرع ، بلغه أن الوباء قد وقع بها، فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله r قال: " إذا "سمعتم به (أي الوباء الطاعون) بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه" (51) فرجع عمر .

وعن عائشة زوج النبي r أنها أخبرت يحى بن يعمر أنها سألت رسول الله r عن الطاعون، فأخبرهم نبي الله r أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه " إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد" (52). يبين هذا الحديث أن الالتزام بقوانين الوقاية له أجر الشهيد وهو أعظم أجر عند الله لعباده.

وبهذا يطالب الإسلام أفراد المجتمع بالالتزام بقواعد الحجر الصحي في حالة الوباء، ولو أدى ذلك إلى التضحية بالنفس، فالرسولr يقول الطاعون شهادة لكل مسلم " (53).

وفي مجال السلامة والوقاية من الحوادث وضع الإسلام القاعدة الأساسية لهذا العلم الذي لم يتبلور إلا في أواخر القرن العشرين، فلكل حادثة سبب ولتجنب الحوادث يجب على المسلم إزالة أسبابها وقاية لنفسه وللمجتمع، فعن الرسول r " لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون " (54).

وفي حديثه عن أبي ذر " إرشادك الرجل في أرض الضلالة صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة " (55)

أما في مجال ، الوقاية من الأمراض الوراثية فلم يغفل الإسلام التحذير من الوقوع في الأمراض التي تأتي عن طريق الوراثة فمن هدي رسول الله r قوله: " تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم " (56). وهذه لفتة كريمة من الرسول r إلى لأمراض الوراثية التي أثبت العلم الحديث صحتها كالأمراض العقلية وبعض التشوهات الأخلاقية وتبرز عادة بشكل واضح من عادة الاقتصار في الزواج على الأقارب وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال " غربوا النكاح" .

معالجة الأمراض :
وفي الطب، العلاجي ، أمر الإسلام بالتداوي أمرا صريحا وحازما، فالمسلم ليس قدريا، يهمل العلاج ويترك.

وفي الأحوال المعتادة اكتفى بغسل الأعضاء والأطراف التي تتعرض لغبار الجو ومعالجة شتى الأشغال الحياتية، أو التي يكثر الجسم إفرازاته منها.

قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا ) (37).

ولن يتخذ الإلزام بالتطهر طريقة أقرب وأقوم من هذه التي شرع الإسلام لأنها تجعل المرء يعاود الغسل والوضوء ، ولو كان نظيفا .

على أن الإسلام لم يدع الغسل الكامل للظروف التي تفرض فرضا، فقد يتكاسل بعض الناس عن الاغتسال ما دامت دواعي فرضه لم تقم، لذلك أوجب الإسلام الاغتسال الكامل مرة واحدة في الأسبوع لقول رسول الله r " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وسواك، ويمس من الطيب ما قدر " (28).

وفي الحديث أيضا عن رسول الله r " إن هذا اليوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء الجمعة فليغتسل " (29).

هذا وقد اختار الله للأنبياء عليهم السلام سننا. تسمى سنن الفطرة، وأمر المسلمين القيام بها وجعلها من قبيل الشعائر، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله r : " خمس من الفطرة الاستحداد والختان وقص الشارب، ونتف الإبط وتقليم الأظافر " (30) . فالاستحداد هو حلق العانة، والختان هو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة لئلا تتجمع فيها الأوساخ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قاد رسول الله r : " اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعدما أتت عليه ثمانون سنة " (31) .

وقد أثبت، الطب الحديث أن نسبة سرطان الحشفة، ترتفع مع بقاء الجلدة دون اختتان. ويستحب الاستحداد ، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وقص الشارب أو إحفاؤه كل أسبوع استكمالا للنظافة، ومحافظة على الصحة، نظرا لأن هذه الأماكن تكثر فيها الأوساخ والميكروبات والعرق ، وقد نهى الإسلام عن إهمال الأخذ بهذه الآداب ووقت حدا لذلك أربعين يوما فعن أنس رضي الله عنه قال: وقت لنا النبي r في قص الشارب وتقليم الأظافر، ونتف الإبط ، وحلق العانة ألا يترك أكثر من أربعين ليلة " (32).

وأوجب الإسلام كذلك على المسلم الاهتمام بنظافة الطعام، وأوجب على الإنسان أن يتخلص من فضلاته ، وما ينشأ عنها من روائح غير طيبة، فقد روى عن الرسول r بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده، (33) وعنه قال: " تخللوا فإنه نظافة، والنظافة تدعو إلى الإيمان والإيمان مع صاحبه في الجنة " (34).

وقد اقترنت نظافة الوضوء، ونظافة الطعام في هدي رسول الله r فقال: " حبذا المتخللون من أمتي، قيل وما المتخللون يا رسول الله ؟ قال المتخللون في الوضوء والمتخللون من الطعام، أما تخليل الوضوء فالمضمضة والاستنشاق وبين الأصابع، أما تخليل الطعام فمن الطعام أنه ليس شيء أشد على الملكين من أن يريا بين أسنان صاحبهما طعاما وهو قائم يصلي " (35).

كما شدد رسول الله r على تطهير الفم وتجلية الأسنان، وتنقية ما بينها فقد قال: " تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي " (36) . وفي رواية لقد أمرت بالسواك حتى ظننت أنه ينزل على فيه قرآن أو وحي ".

والذي يشهد أمراض الفم واللثة والرائحة الناتجة من إهمال تنظيفهما وتطهيرهما يدرك سر مبالغة الإسلام في دلك الأسنان وتنظيفها بالمواد الحافظة والسواك دلكا يزيل ما يعلوها وما يختفي حولها، فعن الرسول r " وإني لأستاك ، حتى لقد خشيت أن أخفي ، مقادم فمي " (37) أي تسقط أسناني من شدة الدلك، وعن عائشة رضى الله عنها أن النبي r كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك " (38).

وفي مجال صحة البيئة- يشمل هذا التطهير بالإضافة إلى أشخاص المسلمين بيوتهم وطرقهم فقد نبه الإسلام إلى تخلية البيوت من الفضلات والقمامات، حتى لا تكون مباءة للحشرات ومصدرا للعلل فقد كان اليهود يفرطون في الواجب، فحذر الرسول الكريم من التشبه بهم، عندما قال: " إن الله تعالى طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم ، جواد يحب الجود فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود " (39).

ومن باب الوقاية من الأمراض- حرم الإسلام شرب الخمر، لما لها من مضار على الصحة قال تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه لعلكم تفلحون (40). هذا بالإضافة إلى مضارها على المجتمع فهي أم الكبائر.

وعن الرسول r أنه قال: " كل مسكر خمر، وكل خمر حرام " (41). وبالقياس فإن الإسلام يحرم تناول العقاقير والأدوية التي تذهب بالعقل، كالحشيش ومادة الس. د وما تعانيه المجتمعات الغربية وحضارتهم الآن من كثرة أمراض الجسم الناتجة عن شرب الخمر وكل ما يذهب بالعقل.

ومن باب الوقاية من الأمراض- فقد نهى الإسلام عن الإسراف في الطعام، قال تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب، المسرفين ! (42)، كما حذر رسول الله r من البطنة حيث قال ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن ، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه " (43). وعن رسول الله r : إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة " (44).

ومن باب الوقاية من الأمراض فقد حرم الإسلام المتعة غير الشرعية إذ حرم الزني لأنه يسبب أمراضا معدية كثيرة، تفتك بجسم الإنسان ، قال تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) (45).

وكذلك حرم الإسلام المباشرة الجنسية في الدبر لما يسبب ذلك من أمراض جسمية ونفسية، قال تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) (46).

كما أن الإ سلام نهى عن مواطأة النساء في الطمث أيام الحيض، لأن ذلك يسبب ضررا بليغا بصحة الرجل والمرأة على السواء ، فقد يكون سببا للالتهابات التي قد تؤدي إلى العقم عند الرجل قال تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن ) (47).

نفسه للأقدار، بل أ لابد من معالجة الأمراض عند وقوعها أو عند الإصابة بها، فقد جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام قوله: " ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء " (57) ويي مسند الإمام أحمد عن أسامه بن شريك قال " كنت عند النبي r ، وجاءت الأعراب، فقالوا يا رسول الله أنتداوى ؟ فقال : نعم يا عباد الله، تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفا، غير داء واحد، فقالوا: ما هو؟ قال: الهرم " (58)، وفي لفظ " أن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من عامه، وجهله من جهله ".

واستكمالا للدقة في تحديد المسار الصحيح للطب العلاجي دعا رسول الله r إلى احترام التخصص في فروع الطب، فينادي الحارث بن كلده للمريض المفؤود ، فقد قال رسول الله r لسعد بن أبي وقاص حين أصيب بمرض القلب " إنك رجل مفؤود فأت الحارث بن كلده ، إمام ثقيف فإنه رجل يتطبب " (59).

وعندما يواجه ، طبيبين متقدمين لعلاج مريض يسألهما " أيكما أطب بهذا " حتى يتلقى المريض أفضل رعاية متخصصة.

أما في مجال التأهيل: فيهدف الإسلام إلى منع العجز بسبب المرض فالإسلام يعود المسلم أن لا يستسلم للعجز، بل يصلى ولو بجفن عينيه، والإسلام لا يرضى للمسلم أن يعيش عالة على غيره، فالحديث عن رسول الله r " اليد العليا خير من اليد السفلى " (60) ، حتى في مجال التأهيل بالجراحة التعويضية أباح الإسلام استخدام الذهب في العلاج التعويضي رغم أنه محرم على الرجال.

هذه التعليمات الواضحة في العلاج عبرت مفاهيم البشرية نحو المرضى والعلاج ووضعت حدا للخرافات الشائعة عن أسباب الأمراض ووسائل علاجها، ووضعت الإنسانية على الطريق الصحيح، لتبحث من الداء والدواء، أما التعليمات الخاصة بالوقاية فهي تقترب من الإلزام وتتجه إلى وضع القواعد العامة لدفع الضرر عن المجتمع وحفظ صحته.

نظرة الإسلام إلى المرض والمرضى:
إن كره المرض أمر طبيعي، يقبله الإسلام، فعندما قال أبو الدرداء لرسول الله r " لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر" فقال الرسول r " الله يحب معك العافية "، ويقول الرسول r " اسألوا الله العافية، فإنه ما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة " (61). ولكن إذا ما حدث المرض فإن المسلم أقدر على تقبل هذا الواقع المؤلم بصبر ينبعث من إيمانه بنظرية الابتلاء فالمرض ليس غضبا من الله أو عقابا من السماء، لكنه ابتلاء يكفر الذنوب ويرفع الدرجات إذا تلقاه المسلم من غير نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه " (62).

وللمريض ، حق على الصحيح هو حق العيادة، كما أن له حقا على الطبيب هو حق الطبابة وهذه الحقوق تستمد من التأكيد الشديد الذي ركزت عليه أحاديث الرسول r في عيادة المريض، إلى ما يشبه الوجوب، وإنها من حقوق المسلم على لمسلم فجعل زيارة المريض قربى إلى الله، يقول الرسول r في الحديث القدسي " إن الله عز وجل يقول يوم القيامة، يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده " (63).

وبذلك يكون المريض قريبا من الله حتى أن الرسول. r يقول: " عودوا المرضى، ومروهم فليدعوا لكم، فإن دعوة المريض مستجابة وذنبه مغفور " (64) ويقول أيضا: " إذا دخلت على مريض فمره يدعو لك فإن دعاءه كدعاء الملائكة " (6).

بهذا الوضع يكون المريض قادرا على التماسك والتحمل بالإضافة إلى هذه المعاني السامية، فقد عامل الإسلام المرضى معاملة خاصة، فأسقط عنهم بعض الفروض وخفض بعضها، إذا كان قيام المريض بهذه الفروض يسبب تدهورا في، صحته وتأخيرا في شفائه.

كما أعطى الإسلام المريض رخصة تعفيه من الالتزامات الشرعية حسب ما تقتضيه الضرورة، فقد أباح الإسلام استعمال الذهب في العلاج التعويضي كما أمر رسول الله r عرفجه بذلك، كما رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير ببن العوام في لبس الحرير لحكة كانت بهما، مع أن الذهب والحرير محرمان على الرجال.

الخاتمة :

بينا في الصفحات السابقة وجهة نظر الإسلام في صحة الأجسام وكونها حاجة أساسية من حاجات الإنسان ، وكيف أن الإ"سلام قرنها بصحة العبادة، بل وجعل هنالك رخصا في العبادة، ترتبط بوقاية الأجسام من الأمراض أو ما يقودها إلى التهلكة.

وما أحرانا في هذا العصر، مما نرى من تقدم هائل في المعرفة الطبية، أن نتخذ من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، التي تتعلق بصحة الأجسام خطوطا عريضة نهتدي بها في أبحاثنا الطبية، وفي ممارساتنا الصحية، وفي اتجاهاتنا النفسية إزاء النظافة والوقاية والمعالجة.

فالمسلم مدعو أن يتخير احتمالات وراثية طبية لأبنائه فيتخير لنطفه حين اختيار الزوجة وفق ما حض عليه الرسول الكريم ، والمسلم مدعو للعناية بجسمه وبأولاده من حيث النظافة الجسمية ونظافة البيئة، ولا يتشبه بغير المؤمنين من عادات صحية تضر بالجسم والعقل والنفس.

والمسلم مدعو للعناية بالصحة العامة للمجتمع، حيث يلتزم بآداب الإسلام في عدم المساعدة في نقل الأمراض المعدية، وإذا حل الطاعون بأرض وهو بها فلا يرحل عنها وإذا حل بأرض وهو عنها بعيد فلا يدخلها. وذلك هو الحجر الصحي في صورته المعاصرة.

مراجع عامة

1 - صحيح البخاري ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان .
2 - مسند الإمام أحمد بن حنبل ـ دار الفكر ـ المكتب الإسلامي للطباعة والنشر الطبعة الثانية ( 1398 هـ ـ 1978 م ) بيروت .

3 - سنن النسائي للسيوطي ( جلال الدين السيوطي) دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان .
4 - سنن أبي داود ـ للإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي ـ دار الحديث طباعة ونشر ، توزيع ( حمص ـ سورية) الطبعة الأولى . ( 1393 هـ ـ 1973 م ) .
5 - الجامع الصحيح للترمذي ـ تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر ـ دار إحياء التراث العربي ( بيروت ـ لبنان) .
6 - مختصر صحيح مسلم ـ للحافظ المنذري ( تحقيق محمد ناصر الدين الألباني ) وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ـ إحياء التراث الإسلامي ـ بإشراف الدار الكويتية للطباعة والنشر والتوزيع ـ الطبعة الأولى ( 1388 هـ ـ 1969 م ) .
7 - سنن ابن ماجة ـ تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ( 1395 هـ ـ 1975 م ) ـ دار إحياء التراث العربي .
8 - الفتح الكبير للسيوطي ـ دار الكتب العربية الكبرى .
9 - الطب النبوي ـ لابن قيم الجوزية ـ دار الكتب العلمية ، بيروت ـ لبنان .
10 - جامع الأصول من أحاديث الرسول لابن الأثير ـ دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان ( الطبعة الأولى .
11 - القانون في الطب لابن سينا ـ دار صادر ـ بيروت .

ملسونه وعنيده
07-05-2005, 01:57 AM
ااااااالله يجزاك خير ياااااارب

ويوفقك وين مارحت

والله ان الموضوع رائع وقيم جدااااا


نصيحه مني لكل من تفضل وقرا الموضوع ان يقرأه بتمعن

جمايل
07-05-2005, 06:29 AM
عساك على القوه اخ ديفل وجزاك الله خير

فعلا الموضوع يبي احد يقراه بتمعن

Nathyaa
07-05-2005, 08:24 AM
موضوع رائع يا ديفل

يزاك الله خير

ROLZ
08-05-2005, 12:02 AM
الله يجزاك خير اخوي ديفل

-


اتمنى التثبيت