Nathyaa
19-10-2006, 06:31 PM
تعريف العدة لغة
مأخوذة من العدد، العِّدة بالكسر مصدر الإحصاء للعدد، والعُدَّة بالضم الشيء المستعد لشيء، والعَدُّ بالفتح الجملة المعدودة1.
تعريف العدة شرعاً
تربص يلزم المرأة عند زوال النكاح المتأكد أو شبهته2، وقيل: هي حريم لانقضاء النكاح.
حُكمُ العدة
حكم العدة الوجوب.
سببها
الطلاق، أوالوفاة، أوفقدان الزوج.
دليلها
الكتاب، والسنة، والإجماع.
فمن الكتاب
1. قوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخــر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصــلاحــاً"3.
2. وقوله: "واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن إرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللآئي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن"4.
3. وقوله تعالى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجـــاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً"5.
4. وقوله: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة"6.
ومن السنة
1. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امراته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي امر الله أن تطلق لها النساء"7.
2. "أمره صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم شريك".
الإجماع
أجمعت الأمة على وجوب العدة على المطلقة، والمتوفي والمفقود زوجها.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (العدد ليست من باب العبادات المحضة، فإنها تجب في حق الصغيرة والكبيرة، والعاقلة والمجنونة، والمسلمة والذمية، ولا تفتقر إلى نية).
حِكَم وعلل مشروعية العدة
للعدة حِكَم عدة، وتعليلات كثيرة تختلف باختلاف سبب العدة، ودين المعتدة، ونحو ذلك، وفي الجملة فقد شرعت العدة للحِكَم الآتية:
1. حق لله عز وجل، بامتثال أمره.
2. وحق للزوج، بإعطائه فرصة للمراجعة، وتقديراً لمكانته عند المرأة.
3. وحق للزوجة، وهو النفقة، والسكنى أثناء العدة.
4. تبرئة الرحم حتى لا تختلط الأنساب.
5. للتأكد من وجود الولد أم لا.
بِمَ تُحصى العدة؟
يختلف ذلك باختلاف حال النساء وسبب العدة.
فتحصى العِدَّة بـ:
1. الأقراء لمن كانت تحيض، فعدتها ثلاثة قروء، سواءً كان طهراً أو حيضاً حسب اختلاف أهل العلم في ذلك.
2. الشهور لمن كانت لا تحيض إما لصغر أوليأس منه، فعدتها ثلاثة أشهر قمرية.
3. وضع الحمل لمن كانت حاملاً، سواءً كانت عدة طلاق أووفاة.
4. أربعة أشهر وعشراً للمتوفي عنها غير الحامل.
5. امرأة المفقود، وتحصى عدتها بالسنوات والأشهر القمرية.
الأقراء، هل هي الحيض أم الأطهار؟
لأهل العلم في تأويل الأقراء في قوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" قولان هما:
1. الأقراء هي الحيض.
2. الأقراء هي الأطهار.
والقولان متكافئان من ناحية اللغة، لأن الأقراء من الأضداد يطلق على الحيض ويطلق على الأطهار، وكذلك من ناحية الأدلة، وذهب إلى لكل واحد من القولين طائفة من علماء الأمة المقتدى بهم من لدن الصحابة ومن بعدهم، وهذا من باب اختلاف التنوع الذي لا ينبغي لأحد أن يثرب فيه على أحد وأن كان أحد القولين أرجح من الآخر.
لقد توسع العلامة ابن القيم في مناقشة ذلك وأتى بأدلة الفريقين وناقشها نقاشاً مستفيضاً وانتصر إلى أن المراد بالأقراء الحيض، فمن أراد التوسع فليرجع لزاد المعاد8.
مَنْ ذهب إلى أن المراد بالأقراء الحيض
ذهب إلى هذا القول من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت، وأبوالدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن جبل؛ وهو قول أصحاب ابن مسعود كما قال ابن القيم: علقمة، والأسود، وإبراهيم، وشُريح؛ وأصحاب ابن عباس: سعيد بن جبير، وطاوس؛ وقول الشعبي، والحسن، وقتادة؛ وقول أئمة الحديث: إسحاق بن راهويه، وأبو عبيدة القاسم، وإحدى الروايات لأحمد، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
مَنْ ذهب إلى أن المراد بالأقراء الأطهار
من الصحابة: عائشة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وفقهاء المدينة السبعة، وأبان بن عثمان، والزهري؛ ومن الأئمة المقتدى بهم: مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وهومذهب الظاهرية رحمهم الله.
قال القرطبي9رحمه الله: (واختلف العلماء في الأقراء فقال أهل الكوفة: هي الحيض، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، والسُّدي.
وقال أهل الحجـاز: هي الأطهار، وهو قول عائشة، وابن عمـر، وزيد بن ثابت، والزهـري، وأبان بن عثمان، والشافعي؛ فمن جعل القرء اسماً للحيض سماه بذلك، لاجتماع الدم بالرحم، ومن جعله اسماً للطهر فلاجتماعه في البدن.
إلى أن قال:
واتفقوا على أن القرء الوقت، فإذا قلت: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات"، سارت الآية مفسرة في العدد، محتملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها، فدليلنا قول الله تعالى: "فطلقوهن لعدتهن"، ولا خلاف أنه يأمر بالطلاق وقت الطهر فيجب أن يكون هو المعتبر في العدة، فإنه قال: "فطلقوهن" يعني وقتاً تعتد به، ثم قال تعالى: "واحصوا العدة" يريد ما تعتد به المطلقة وهو الطهر الذي تطلق فيه، وقال صلى الله عليه وسلم: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" أخرجه مسلم وغيره؛ وهو نص في أن زمن الطهر هو الذي يسمى عدة، وهو الذي تطلق فيه النساء.
ولا خلاف أن من طلق في حال الحيض لم تعتد بذلك الحيض، ومن طلق في حال الطهر فإنه تعتد عند الجمهور بذلك الطهر، فكان ذلك أولى.
وقال الشيخ البسام حفظه الله: أما تفسير الأقراء المذكور في قوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء"، فقد اختلف العلماء في ذلك سلفاً وخلفاً على قولين:
أحدهما: أن المراد بالأقراء الأطهار، قالت عائشة إنما الأقراء الأطهـار؛ وقال الإمـام مالك عن ابن شهاب سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلاَّ وهو يقول ذلك.
وهو مـروى عن ابن عبـاس، وزيد بن ثـابت، وسـالـم، والقـاسـم بن محمـد، وعـروة وأبي بكر بن عبد الرحمن، وقتادة والزهري، وبقية الفقهاء السبعة وغيرهم، وهو مذهب مالك، والشافعي، وداود، وأبي ثور، ورواية عن أحمد.
الثاني: أن المراد بالأقراء: هي الحيض، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
قال القاضي10: الصحيح عن أحمد أن الأقراء هي الحيض وإليه ذهب أصحابنا.
إلى أن قال: أما دليل من يرى أن ـ القرء ـ هو الحيض قوله تعالى: "واللائي يئسن من المحيض" الآية، فقد شرع الله تعالى الاعتداد عند عدم الحيض بالأشهر، مما يدل على أن الأصل الحيض، ولأن المعهود11 في لسان الشارع استعمال القرء بعد الحيض، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "تدع الصلاة أيام قرئها" رواه أبو داود، وبما رواه النسائي من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "إذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء"، ولأن ظاهر قوله تعالى: "يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" وجوب التربص ثلاثة كاملة، ومن جعل القروء الأطهار يكتفى بطهرين، وبعض الثالث فيخالف ظاهر النص والله أعلم)12.
ثمرة الخلاف في تفسير القروء
أجمع العلماء على أن من طلقت وهي حائض لا تعتد بهذه الحيضة، ثم اختلفوا، فمن قال: إن الأقراء هي الأطهار فإن طلقها في طهر ما لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة أولحظة، ثم تضيف إليه طهرين، فإن رأت الحيضة الثالثة انقضت عدتها.
ومن قال إن الأقراء هي الحيض وطلقت وهي طاهر انتظرت حتى تحيض ثلاثة حيض، فإذا طهرت بعد الثالثة انقضت عدتها.
قال القرطبي: (فإن طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه، ولو ساعة ولو لحظة، ثم استقبلت طهراً ثانياً بعد حيضة، ثم ثالثاً بعد حيضة ثانية، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت واعتدت بما بقي من ذلك الطهر؛ وقال الزهري في امرأة طلقت في بعض طهرها: إنها تعتد بثلاثة أطهار سوى بقية ذلك الطهر؛ قال أبوعمر: لا أعلم احداً ممن قال: الأقراء الأطهار، يقـول هذا غير ابن شهاب الزهري، فإنه قال: تلقي الطهر الذي طلقت فيه، ثم تعتد بثلاثة أطهار، لأن الله عز وجل يقول: "ثلاثة قروء".
قلت: فعلى قوله لا تحل المطلقة حتى تدخل في الحيضة الرابعة، وقول ابن القاسم، ومالك، وجمهور أصحابه، والشافعي، وعلماء المدينة: أن المطلقة إذا رأت أول نقطة من الحيضة الثالثة خرجت من العصمة، وهو مذهب زيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمـر، وبه قـال أحمد بن حنبـل، وإليه ذهب داود بن علي وأصحابه، والحجة على الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في طلاق الطاهر من غير جماع، ولم يقل أول الطهر ولا آخره.
وقال أشهب: لا تنقطع العصمة والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض، لئلا تكون دفعة دم من غير حيض.
إلى أن قال: وقال بعض من يقول بالحيض: إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة بعد الغسل، وحلت الرجعة قاله سعيد بن جبير، وطاوس، وابن شبرمة، والأوزاعي، وقال شريك: إذا فرطت المرأة في الغسل عشرين سنة فلزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل).
السنة أن تطلق المرأة في طهر لم تمسَّ فيه، فإن طلقها وهي حائض فهذا طلاق بدعي، ولكنه يقع، وعليه أن يؤمر بمراجعتها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء أمسك وإن شاء طلق.
وكذلك يكره أن يطلقها وهي حامل13 لئلا تطول عليها العدة مع وقوع الطلاق.
وهذا كله يرجح قول من قال المراد بالقروء الطهر، والله أعلم.
أنواع العِدد
أولاً: عدة المطلقة الحرة
أ. المطلقة غير المدخول بها
إذا عقد الرجل على المرأة ولم يدخل ولم يَخلُ بها، ثم طلقها، فليس له عليها عدة ولا رجعة، إلاَّ بخطبة وعقد جديدين.
وليس لها عليه نفقة، ولا سكنى، وليس بينهما توارث، وله أن يمتِّعها بما شاء من المال والملابس، إن لم يكن سمى لها صداقاً فإن سمى لها صداقاً فله نصفه، ودليل ذلك قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً"14 .
قال القرطبي: (فالمطلقة إذا لم تكن ممسوسة لاعدة عليها بنص الكتاب، وإجماع الأمة على ذلك، فإن دخل فعليها العدة إجماعاً.
إلى أن قال: هذه الآية مخصصة لقوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء"، ولقوله: "واللائي يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر".
إلى أن قال: قوله تعالى: "فمتعوهن"، قال سعيد: هي منسوخة بالآية التي في البقرة، وهي قوله: "وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم"15، أي فلم يذكر المتعة)16.
ب. المطلقة المدخول بها
المطلقة المدخول بها أوإذا خلا بها تجب عليها العدة، سواء كانت هذه الفرقة بطلاق، أوخلع، أوفسخ، أونكاح فاسد كمن تزوج من غير ولي، ولا تجب في نكاح باطل لمن تزوج بخامسة إلاَّ بوطء، سواءً بذلك كانت الطلقة رجعية أوبائنة.
فإن كانت المفارقة حاملاً فبوضع حملها ولو وضعت بعد ساعة من طلاقها، وإن كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة قروء، وإن كانت صغيرة أويائسة فعدتها ثلاثة أشهر.
وإليك تفصيل ذلك من بعض أقوال أهل العلم:
1. الحامل
عدتها من وفاة أو طلاق أو فسخ وضع حملها.
قال في نيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب17: (الحامل وعدتها من وفاة، أوطلاق، أوفسخ وضع ما يتبين فيه خلق إنسان، ولو خفياً، مسلمة كانت أوكافرة، وأقل مدة الحمل ستة أشهر منذ نكاحها، وأمكن اجتماعه بها، فلو أتت به بدون ذلك وعاش لم تنقض به عدتها من زوجها، لعدم لحوقه به، وغالب مدة الحمل تسعة أشهر؛ لأن غالب النساء يلدن فيها، واكثر مدة الحمل أربع سنين لأنها أكثر ما وجد).
و قال القرطبي رحمه الله: (ولا خلاف بين العلماء على أن أجل كُلِّ حامل مطلقة يملك الزوج رجعتها أولا يملك، حرة كانت أومُدَبَّرة أومكاتَبَة، أن تضع حملها)18.
وقال: (إذا وضعت المرأة ما وضعت من علقة، أومضغة حلت؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا تحل إلاَّ بما يكون ولداً)19.
أقل الحمل وأكثره
أقل الحمل ستة أشهر لقوله تعالى: "وحمله وفصاله ثلاثون شهراً"، واختلف الناس في اكثر الحمل على أقوال، أشهر ما قيل فيه أربع سنوات هذا إذا تركت الحامل لحالها من غير وجع صناعي، أوفتح بطن، وقيل لا حدَّ لكثره.
قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: "الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الرحام وما تزداد وكل شيءٍ عنده بمقدار"20: (في هذه الآية دليل على أن الحامل قد تضع حملها لأقل من تسعة أشهر وأكثر، وأجمع العلماء على أن اقل الحمل ستة أشهر، وأن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر.
وهذه الأشهر هي بالأهلة كسائر أشهر الشريعة، ولهذا قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك، وأظنه في كتاب ابن الحارث أنه إن نقص عن الأشهر الستة ثلاثة أيام فإن الولد يلحق لعلة نقص الشهر وزيادتها، حكاه ابن عطية.
واختلف العلماء في أكثر الحمل، فروى ابن جريج عن جميلة بنت سعد، وعن الليث بن سعد عن عائشة قالت: إن أكثره ثلاثة سنين؛ وعن الشافعي أربع سنين.
وروي عن مالك في إحدى روايتيه والمشهور عنه خمس سنين، وروي عنه لا حد له ولو زاد على العشرة أعوام، وهي الرواية الثالثة عنه، وعن الزهري ست وسبع؛ قال أبو عمر - ابن عبد البر - ومن الصحابة من يجعله إلى سبع؛ والشافعي مدة الغاية منها أربع سنين؛ والكوفيون يقولون: سنتان لا غير؛ ومحمد بن عبد الحكم يقول: سنة لا أكثر؛ وداود يقول: تسعة أشهر، لا يكون عنده حمل أكثر منها؛ قال أبو عمر: وهذه مسألة لا أصل لها إلاَّ الاجتهاد، والرد على ما عرف من أمر النساء، وبالله التوفيق.
روى الدار القطني عن الوليد بن مسلم: قال: قلت لمالك بن أنس إني حدثتُ عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين، قدر ظل المغزل؛ فقال: سبحان الله! من يقول هذا؟! هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، امرأة صدق، وزوجها رجل صدق، حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل بطن أربع سنين؛ وذكره عن ابن المبارك عن ابن مجاهد قال: مشهور عندنا كانت امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، وكانت تسمى حاملة القيل.
وروي أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إني غبتُ عن امرأتي سنتين، وهي حبلى، فشاور عمر الناس، فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين! إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل، فاتركها حتى تضع؛ فتركها فوضعت غلاماً قد خرجت ثناياه، فعرف الرجل الشبه، فقال: ابني ورب الكعبة! فقال عمر: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر.
وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سني؛ ويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن أمه سنتين، وقيل ثلاث سنين، ويقال: إن محمد بن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث سنين، فماتت به وهو يضطرب اضطراباً شديداً، فشق بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه.
وقال حماد بن سلمة: إنما سمي هَرِم بن حيان هرماً لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين، وذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين، وقد طلعت سنه فسمي ضحاكاً؛ عباد بن العوام قال: ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاماً شعره إلى شغره إلى منكبيه، فمر به طير فقال: كش)21 .
إذا أسقطت الحامل ما في بطنها بشرب دواء ونحوه هل تنقضي عدتها؟ أم لا؟
لا يجوز لمعتدة أن تشرب دواء لتطويل مدة الحيض أوتقصيرها، أولقطعه، ولا يجوز لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسقط ما في بطنها سواء كان نطفة أوتخلق، أثبت الأطباء أنه مشوه أم لا.
ولا يحل إسقاط الجنين إلا إذا أثبت الأطبة الثقات أن في وجوده خطراً على حياة أمه.
لقد رخص بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة في إسقاط الجنين قبل التخلق، أي دون مائة وعشرين يوماً، سيما إذا أثبتت الفحوصات المختبرية أنه مشوه الخلقة، وأجازت ذلك هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية22، مع بعض التحوطات.
وهذا قول ضعيف، وفيه تجن على خلق من خلق الله عز وجل.
قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها ما لم ينفخ فيه الروح، وجعلوه كالعزل، وهو قول ضعيف، لأن الجنين ولد وانعقد، وربما تصور، وفي العزل لم يوجد ولد بالكلية، وإنما تسبب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع انعقاده إذا أراد الله خلقه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن العزل: "لا عليكم أن لا تعزلوا، إنه ليس من نفس منفوسة إلا الله خالقها"23.
وقد صرح أصحابنا بأنه إذا صار الولد علقة لم يجز للمرأة إسقاطه، لأنه ولد انعقد بخلاف النطفة، فإنها لم تنعقد بعد، وقد لا تنعقد أبداً)24.
ولأنه ورد في بعض روايات حديث بن مسعود رضي الله عنه أن الجنين يمكن أن يتخلق في العلقة وتنفخ فيه الروح25.
أقل ما تنقضي به العدة من الحمل
أقل ما تنقضي به العدة وتعتق به أم الولد المضغة المخلقة، إذا دخل في العقد الثالث من أطواره، وأقل ذلك أن يكون عمر السقط واحداً وثمانين يوماً.
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود أن لا تصوير قبل ثمانين يوماً.
إلى أن قال:
وقد أخذ طوائف من الفقهاء بظاهر هذه الرواية، وتأولوا حديث ابن مسعود المرفوع عليها، وقالوا أقل ما يتبين خلق الولد أحد وثمانون يوماً، لأنه لا تكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة، ولا يتخلق قبل أن يكون مضغة.
وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي بناء على هذا الأصل: إنه لا تنقضي العدة، ولا تعتق أم الولد إلا بالمضغة المخلقة، وأقل ما يمكن أن يتخلق أويتصور في أحد وثمانين يوماً.
وقال أحمد في العلقة: هي دم لا يستبين فيها الخلق، فإن كانت المضغة غير مخلقة فهل تنقضي بها العدة؟ وتصير أم الولد بها مستولدة؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، وإن لم يظهر فيها التخطيط، ولكن كان خفياً لا يعرفه إلا أهل الخبرة من النساء، فشهدن بذلك، قبلت شهادتهن، ولا فرق بين أن يكون بعد تمام أربعة أشهر أوقبلها عند أكثر العلماء، ونصَّ على ذلك الإمام أحمد في رواية خلق من أصحابه، ونقل عنه ابنه صالح في الطفل في الأربعة يتبين خلقه.
قال الشعبي: إذا نكِّس في الخلق الرابع، كان مخلقاً، انقضت به العدة، وعتقت به الأمة، إذا كان لأربعة أشهر؛ وكذا نقل عنه26 حنبل: إذا أسقطت أم الولد، فإن كان خلقه تاماً عُتقت، وانقضت به العدة إذا دخل في الخلق الرابع في أربعة أشهر ينفخ فيه الروح، وهذا يخالف رواية الجماعة عنه.
وقد قال أحمد في رواية عنه: إذا تبين خلقه، ليس فيه اختلاف أنها تعتق بذلك إذا كانت أمة، ونقل عنه جماعة أيضاً في العلقة إذا تبين أنها ولد أن الأمة تعتق بها، وهو قول النخعي، وحُكي قولاً للشافعي، ومن أصحابنا من طرد هذه الرواية عن أحمد في انقضاء العدة أيضاً، وهذا كله مبني على أنه يمكن التخلق في العلقة)27.
2. المعتدة بالحيض
أقل مدة تنقضي بها عدة الحائض
اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال هي:
شهر: وقد روي هذا عن شريح واستحسنه علي رضي الله عنه، وقال به عدد من أهل العلم.
شهر ونصف: وهو قول للمالكية.
سبعة وأربعون يوماً: وهذا مذهب أبي ثور.
ستون يوماً: وهذا مذهب أبي حنيفة وقول للشافعي.
قال القرطبي: (قال ابن المنذر: وقال كل من حفظت عنه من أهل العلم: إذا قالت المرأة في عشرة أيام: قد حضتُ ثلاث حيض وانقضت عدتي؛ أنها لا تصدق ولا يُقبل ذلك منها، إلا أن تقول: قد أسقطتُ سقطاً قد استبان خلقه.
واختلفوا في المدة التي تصدق فيها المرأة، فقال مالك: إذا قالت انقضت عدتي في أمد تنقضي28 في مثله العدة قبل قولها، فإن أخبرت بانقضاء العدة في مدة تقع نادراً فقولان، قال في المدونة: إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر صُدِّقت إذا صدقها النساء، وبه قال شريح، وقال له علي بن أبي طالب: "قالون"29، أي أصبت وأحسنت، وقال في كتاب محمد: لا تصدق إلا في شهر ونصف، ونحوه قول أبي ثور، قال أبو ثور: أقل ما يكون ذلك في سبعة وأربعين يوماً، وذلك أن أقل الطهر خمسة عشرة يوماً، وأقل الحيض يوم.
وقال النعمان – أبو حنيفة -: لا تصدق في أقل من ستين يوماً؛ وقال به الشافعي).30
3. عدة المرتابة
الارتياب قد يكون بانقطاع الدم، أوباشتباه الحمل، أوبالاستحاضة، ونحوه؛ انقطاع الدم إما أن يكون:
1. ليأس، فهذه تعتد بالشهور وتلغي ما اعتدته بالحيض إذا كان دون الثلاثة.
2. لمرض، فلها أن تعالج ذلك وتنتظر حتى تقضي ثلاثة قروء طالت المدة أم قصرت.
3. لا تدري سبب الانقطاع، وهي شابة لم تقارب سن اليأس، فعدتها سنة، تسعة أشهر استبراء، وثلاثة أشهر عدة.
قال القرطبي: (المرتابة في عدتها لا تنكح حتى تستبرئ نفسها من ريبتها، ولا تخرج من العدة إلا بارتفاع الريبة، وقد قيل في المرتابة التي رفعت حيضتها وهي لا تدري ما رفعها أنها تنتظر سنة من يوم طلقها زوجها، منها تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدة، فإن طلقها فحاضت حيضة أوحيضتين ثم ارتفع عنها بغير يأس منها انتظرت تسعة أشهر، ثم ثلاثة من يوم طهرت من حيضتها ثم حلت للأزواج؛ وهذا قول الشافعي بالعراق، وعلى قياس هذا، وروي عن الشافعي أن أقراءها على ما كانت حتى تبلغ سن اليائسات، وهو قول النخعي والثوري وغيرهما، وحكاه أبو عبيد عن أهل العراق.
إلى أن قال:
وأما من تأخر حيضها لمرض، فقال مالك وابن القاسم وعبد الله بن أصبغ: تعتد تسعة أشهر ثم ثلاثة، وقال أشهب: هي كالمرضع بعد الفطام بالحيض أوبالسَّنة)31.
من ارتابت بشبهة حمل
من ارتابت بشبهة حمل لأهل العلم فيها قولان:
1. تعتد بسنة، تسعة للحمل وثلاثة للعدة، وهذا القول أقيس.
2. تعتد بثلاثة قروء.
قال القرطبي: (فإن كانت المرأة شابة، استؤنى بها هل هي حامل أم لا؟ فإن استبان حملها فإن أجلها وضعه، وإن لم يستبن فقال مالك: عدة التي ارتفع حيضها وهي شابة سنة؛ وبه قال أحمد وإسحاق، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره، وأهل العراق – الأحناف - يرون أن عدتها ثلاثة حيض، بعدما كانت حاضت مرة واحدة في عمرها، وإن مكثت عشرين سنة، إلى أن تبلغ من الكبر مبلغاً تيأس فيه من الحيض، فتكون عدتها بعد الإياس ثلاثة أشهر؛ قال الثعلبي: وهذا الأصح من مذهب الشافعي وعليه جمهور العلماء، وروي ذلك عن ابن مسعود وأصحابه، قال الكيَّا32: وهو الحق، لأن الله تعالى جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر، والمرتابة ليست آيسة)33.
قلت: ما قاله أهل العراق ومن وافقهم فيه إجحاف بالمرأة وظلم، والقول الأول وهو أن تجلس سنة فيه تبرأة للرحم، واطمئنان إلى عدم وجود ولد، وفيه رفق بالمرأة حتى إذا أرادت الزاوج كانت لها فرصة الإنجاب، أما القول الثاني فإنه يحرم المرأة من الزواج في الغالب ومن الإنجاب قطعاً.
من لا تحيض وهي مرضع
من عادة بعض النساء أنها لا تحيض وهي ترضع، فإن كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة قروء بعد حيضتها، وإن كانت ممن يعتددن بالشهور لصغر أونحوه فتجلس سنة كاملة.
قال القرطبي: (وقد طلق حبََّان بن منقذ امرأته وهي ترضع، فمكثت سنة لا تحيض لأجل الرضاع، ثم مرض حبَّان فخاف أن ترثه فخاصمها إلى عثمان وعنده علي وزيد - رضي الله عنهم - فقالا: نرى أن ترثه، لأنها ليست من القواعد، ولا من الصغار، فمات حبَّان فورثته واعتدت عدة الوفاة)34.
المرتابة باستحاضة
لأهل العلم في عدة المستحاضة ثلاثة أقوال هي:
1. عدتها سنة: وهذا مذهب ابن المسيب، ومالك، والليث بن سعد.
2. عدتها ثلاثة أشهر.
3. عدتها ثلاثة قروء: إن كانت تعلم موعد حيضها وطهرها قبل الاستحاضة.
قال القرطبي: (وأما التي تجهل حيضها بالاستحاضة ففيها ثلاثة أقوال، قال ابن المسيب: تعتد بسنة؛ وهو قول الليث، قال الليث: عدة المطلقة وعدة المتوفي عنها زوجها إذا كانت مستحاضة سنة؛ وهو مشهور قول علمائنا، سواءً علمت دم حيضها من دم استحاضتها وميزت ذلك أولم تميزه،عدتها في ذلك كله عند مالك في تحصيل مذهبه سنة، منها تسعة أشهر إستبراء وثلاثة عدة.
وقال الشافعي في أحد قوليه: عدتها ثلاثة أشهر؛ وهو قول جماعة من التابعين والمتأخرين من القرويين، قال ابن العربي: وهو الصحيح عندي؛ وقال أبو عمر - ابن عبد البر -: المستحاضة إذا كان دمها متصل فعلمت اقبال حيضتها أوادبارها اعتدت ثلاثة قروء؛ وهذا أصح في النظر وأثبت في القياس والأثر)35.
وما قاله ابن عبد البر ورجحه القرطبي هو الراجح أن شاء الله.
عدة الصغيرة إذا رأت الدم
إذا شرعت الصغيرة في العدة بالشهور ثم رأت الدم ألغت ما مضى من عدتها بالشهور إذا لم تكمل ثلاثة أشهر، وشرعت في العدة بالأقراء.
أقل سن للحيض، واليأس
أقل سن للحيض سن التاسعة، فإن رأت الدم قبل التاسعة فليس بحيض، اما إذا رأته بعد سن التاسعة فهو حيض؛ والحيض المعتبر هو ما تكرر ثلاثة مرات فأكثر.
أما اليأس فليس له حد ويختلف باختلاف النساء والبيئات.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة36.
إن بلغت سن الخامسة عشر ولم تحض
قولان لأهل العلم:
1. تعتد بالشهور لظاهر قوله تعالى: "واللاَّئي لم يحضن"، وهذا مذهب الجمهور، وهذا الراجح.
2. تعتد عدة المرتابة سنة كاملة.
قال ابن قدامة: (فإن بلغت سناً تحيض فيه النساء في الغالب فلم تحض لخمس عشرة سنة، فعدتها ثلاثة أشهر في ظاهر قول الخرقي، وهو قول أبي بكر، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وضعف أبو بكر الرواية37 المخالفة لهذا، وقال: رواها أبو طالب فخالف فيها أصحابه، وذلك ما روى أبو طالب عن أحمد تعتد سنة، قال القاضي38: هذه الرواية أصح؛ لأنه متى أتى عليها زمان الحيض فلم تحض صارت مرتابة، يجوز أن يكون بها حمل منع حيضها فيجب أن تعتد بسنة)39.
ثانياً: عدة المطلقة الأمَة، وأم الولد
تمهيد
لله در الإمام أبو الحسن الماوردي حين قال في كتابه أدب الدين والدنيا40: (ليس دين زال سلطانه إلاَّ بدلت أحكامه، وطمست أعلامه، وكان لكل زعيم فيه بدعة، ولكل عصر فيه وَهْية41 أثر).
تذكرت تلك الكلمة المضيئة وأنا أريد أن أتحدث عن أحكام عدة الأمة حيث أضحى كثير من المسلمين يستهجن ذكر أي حكم متعلق بالمماليك وذلك لأسباب منها:
1. الخلط بين الرق الشرعي والرق الاجتماعي.
2. ترك المسلمين للجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام بعد أن ركنوا إلى الدنيا.
3. غياب الإسلام عن الحكم واستبدال المسلمين للذي هو أدنى بالذي هو خير.
4. الجهل الفاضح بأبجديات هذا الدين وخلوده.
لهذا يتحتم عليَّ أن أعرِّف الرق الشرعي ليفرق الناس بينه وبين الرق الاجتماعي الذي شرعه في العصر الحديث الأمريكان والأوربيون، وجاراهم في ذلك بعض المسلمين.
يعرف العلماء الرق: بأنه عجز حكمي سببه الكفر، فلا علاقة بين اللون والمستوى المعيشي وبين الرق.
فإذا خرج المسلمون لجهاد الطلب الذي هو أسُّ الجهاد، لمجاهدة من يحول بين الخلق وبين الدخول في الإسلام من الطغاة، والجبابرة، والمترفين، فمن قبل الإسلام فله ما للمسلمين من الحقوق وعليه ما عليهم من الواجبات؛ ومن أبى الإسلام أخذت منه الجزية إن كان من الكفار الكتابيين اليهود والنصارى أوالمجوس؛ ومن رفض الإسلام والجزية قوتل، فمن قتل فهو في النار ومن أسِر فهو رقيق مملوك، ولإمام المسلمين قتله في الحال، وإن امتنَّ عليه بالأسر فهو مملوك وإن أسلم بعد ذلك، إلآَّ أن يعتق أويكاتب سيده.
وعليه فالذي يظهر لي أنه ليس هناك رق شرعي في هذا العصر، لترك المسلمين الجهاد منذ أمد، اللهم إلاَّ أن يكون متوارثاً عن الأجداد.
أما من يطلق عليهم بعض من لا يعرف الشرع بأنهم رقيق فهذا من باب الخطأ والظلم البين، فلا ينبغي أن يتحمل الإسلام أخطاء غيره.
ولكن هذا لا يعني أن نسكت عن بيان الأحكام المتعلق بالأرقاء، ذكوراً كانوا أم إناثاً، في الإمامة، والعتق، والعدة، ونحو ذلك، كما بينها سلفنا الصالح في مصنفاتهم، كما وردت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فمن تعقد من ذكر ذلك فقد أوتي من جهله بالإسلام، وانهزامه، واستكانته، وعليه أن يراجع دينه وإيمانه.
بعد هذا التمهيد نرجع إلى موضوعنا وهو عدة المطلقة إن كانت من الإماء، أوأمهات الأولاد، فنقول:
الأمة المطلقة لها حالان
1. إما أن تكون ممن تحيض، فعدتها على النصف من عدة الحرة وهي قرءان؛ لأن القرء لا يتجزأ في أرجح قولي العلماء، وهو الذي عله عامة السلف والخلف.
2. وإما أن تكون ممن لا تحيض لصغر أوليأس فعدتها شهر ونصف وقيل شهران.
وقد ذهبت طائفة من أهل العلم منهم الظاهرية إلى أن عدة الأمة مثل عدة الحرة تماماً، وهذا قول مرجوح، ومصادم لظاهر النصوص ولإجماع الأمة.
الأدلة على ذلك
1. ما روته عائشة رضي الله عنها ترفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان"42.
2. وقال عمر: "عدة الأمة حيضتان، نصف عدة الحرة، ولو قدرت على أن أجعلها حيضة ونصف لفعلت"، وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه منهم أحد.
3. وعن ابن عمر: أيهما رق نقص طلاقه، ذكراً كان أم انثى.
4. إجماع العامة من أهل العلم على ذلك.
أقوال العلماء في عدة الأمة
قال ابن قدامة بعد أن ذكر أثر عمر السابق: (فدل على انه إجماع منهم، وهو قول عشرة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة، وحسبك ما قالوا.
إلى أن قال: والجمهور من العلماء على أن عدة الأَمة التي تحيض من طلاق زوجها حيضتان، وروي عن ابن سيرين أنه قال: ما أرى عدة الأمة إلآَّ كعدة الحرة، إلآَّ أن تكون مضى في ذلك سنة، فإن السنة أحق أن نتبع.
وقال الأصم عبد الرحمن بن كيسان، وداود بن علي - الظاهري - وجماعة من أهل الظاهر: إن الآيات في عدة الطلاق والوفاة بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة، فعدة الأمة والحرة سواء)43.
وقال الخرقي في مختصره: (والأمة شهران44، أي عدتها بالأشهر، قال ابن قدامة في شرح ما قال الخرقي: اختلفت الروايات عن أبي عبد الله في عدة الأمة، فأكثر الروايات عنه، أنها شهران، رواه عنه جماعة من أصحابه، واحتج فيه بقول عمر رضي الله عنه: عدة أم الولد45 حيضتان ولو لم تحض كان عدتها شهرين، رواه الأثرم عنه بإسناده، وهذا قول عطاء، والزهري، وإسحاق، وأحد أقوال الشافعي؛ لأن الأشهر بدل القروء، وعدة ذات القروء قرءان، فبدلهما شهران، ولأنها معتدة بالشهور من غير الوفاة، فكان عددها كعدد القروء، لو كانت ذات قروء كالحرة.
والرواية الثانية: أن عدتها شهر ونصف نقلها الميموني، والأثرم، واختارها أبو بكر، وهذا قول علي رضي الله عنه، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن المسيب، وسالم، والشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول ثانٍ للشافعي؛ لأن عدة الأمة نصف عدة الحرة، وعدة الحرة ثلاثة أشهر، فنصفها شهر ونصف.
إلى أن قال:
والرواية الثالثة: أن عدتها ثلاثة أشهر؛ روي ذلك عن الحسن، ومجاهد، وعمربن عبد العزيز، والنخعي، ويحي الأنصاري، وربيعة، ومالك، وهو القول الثالث للشافعي لعموم قوله تعالى: "فعدتهن ثلاثة أشهر")46.
وقال ابن القيم: (ولا نعرف التسوية بين الحرة والأمة في العدة عن أحد من السلف إلآَّ محمد بن سيرين، ومكحول؛ فأما ابن سيرين فلم يجزم بذلك، وأخبر به عن رأيه، وعلق القول به على عدم سنة تتبع، وأما قول ابن مسعود فلم يذكر له سند)47.
عدة الزانية إذا أرادت الزواج
لا يصح زواج الزانية إلآَّ بشروط هي:
1. التوبة النصوح، فالإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها، وقد نهى الله عز وجل عن نكاح الزانية غير التائبة بقوله: "الزانية لا ينكحها إلآَّ زانٍ أومشرك وحرم ذلك على المؤمنين"48.
2. بوضع حملها إن كانت حاملاً، حرة كانت أم أمة.
وإن لم تكن حاملاً فقد اختلف فيها العلماء على قولين هما:
1. تعتد بثلاثة قروء إن كانت من ذوات الأقراء، أو بثلاثة شهور إن كانت صغيرة لا تحيض أوكبيرة انقطع دمها، وهذا مذهب مالك، ورواية عن أحمد.
2. تعتد بحيضة واحدة وهذا مذهب الجمهور.
قال الشيخ البسام في اختياراته الجلية49: (اختلف العلماء في الزانية غير الحامل هل تجب عليها عدة أوتستبرأ بحيضة واحدة؟ فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب عليها عدة، وإنما تستبرأ بحيضة، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وهي رواية عن أحمد، ويرى مالك استبراءها بثلاث حيض؛ واستدل هؤلاء بقوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش"، والدلالة فيه غير واضحة، وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى وجوب العدة عليها، وإن عدتها كعدة المطلقة، وهو قول الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، واختاره الشيخ تقي الدين - ابن تيمية -، وابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن السعدي رحمهم الله، ودليل هذا القول العمومات الواردة في وجوب العدة من الوطء، يقتضي شغل الرحم فوجبت العدة منه كوطء الشبهة).
ثالثاً: عدة المتوفي عنها زوجها
1. الحرة
عدة الوفاة تجب بالموت سواءً دخل بها أولم يدخل اتفاقاً، كما دل عليه عموم القرآن والسنة، واتفقوا على أنهما يتوارثان قبل الدخول، ولها كامل الصداق المسمى، وكذلك مهر المثل في أرجح قولي العلماء.
الحرة المتوفي عنها زوجها أما أن تكون:
1. حاملاً: فعدتها بوضع ما استبان من الحمل، ولو كان زوجها على سرير الموت لم يدفن بعد؛ وهناك قول مرجوح أنها تعتد بأطول الأجلين، وضع الحمل أوالأربعة أشهر وعشراً، وقد روي هذا القول عن علي، وابن عباس رضي الله عنهم؛ وقيل إن ابن عباس رجع لقول العامة.
2. غير حامل: فعدتها أربعة أشهر وعشراً، سواءً كانت ممن تحيض أولا تحيض.
هذا بعد أن كانت عدة المتوفي عنها زوجها سنة كاملة فقد خفف الله عليهن ورفق بهن.
2. الأمَة وأم الولد
1. إن كانت إحداهما حاملاً فبوضع الحمل.
2. وإن كانت غير حامل فعدتها على النصف من عدة الحرة وهي شهران وخمسة أيام، وقيل كعدة الحرة.
الأدلة
1. قوله تعالى: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير"50.
2. حديث سبيعة الأسلمية، وقد ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر، وقال البخاري بأربعين يوماً، فسألت الرسول صلى الله عليه وسلم قالت: " فأفتاني بأني قد حللت حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي"51.
أقوال العلماء في عدة المتوفي عنها زوجها
قال القرطبي رحمه الله: (عدة الحامل المتوفي عنها زوجها وضع حملها عند جمهور العلماء، وروي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين واختاره سحنون من علمائنا.
وقد روي عن ابن عباس أنه رجع عن هذا، والحجة لما روي عن علي، وابن عباس رَوْمُ الجمع بين قوله تعالى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً"، وبين قوله: "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن"، وذلك أنها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول، وهذا نظر حسن لولا ما يعكر عليه من حديث سُبيعة الأسلمية: "أنها نفست بعد وفاة زوجها بليال.."، فبيَّن الحديث أن قوله تعالى: "وأولات الأحمال.." الآية محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنفين.
إلى أن قال:
وقال ابن شهاب: ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها، غير أن زوجها لا يقربها حتى تطهر؛ وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء، وقال الحسن، والشعبي، والنخعي، وحماد: لا تنكح النفساء ما دامت في دم نفاسها، فاشترطوا شرطين:
1. وضع الحمل.
2. والطهر من دم النفاس.
والحديث حجة عليهم).52
وقال ابن القيم رحمه الله: (وأما عدة الوفاة، فتجب بالموت، سواء دخل بها أولم يدخل اتفاقاً، كما دل عليه عموم القرآن والسنة، واتفقوا على أنهما يتوارثان قبل الدخول، وعلى أن الصَّداق يستقر إذا كان مسمى، لأن الموت لما كان انتهاء العقد استقرت به الأحكام، فتوارثا، واستقر المهر، ووجبت العدة.
واختلفوا في مسألتين:
إحداهما: وجوب مهر المثل إذا لم يكن مسمى، فأوجبه أحمد، وأبوحنيفة، والشافعي في أحد قوليه، ولم يوجبه مالك والشافعي في القول الآخر، وقضى بوجوبه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في السنة الصحيحة الصريحة من حديث بَرْوَع بنت واشق، وقد تقدم، ولو لم ترد به السنة لكان هو محض القياس، لأن الموت أجري مجرى الدخول في تقرير المسمى، ووجوب العدة.
والمسألة الثانية: هل يثبت تحريم الربيبة بموت الأم كما يثبت بالدخول بها؟ وفيه قولان للصحابة، وهما روايتان عن أحمد.
والمقصــود أن العدة فيه ليست للعلم ببراءة الرحـــم، فإنها تجب قبل الدخول بخلاف عدة الطلاق).54
عدة الوفاة تختص بأمرين عن عدة الطلاق
هما:
1. يجب على المتوفى عنها زوجها أن تعتد في المنزل الذي مات زوجها وهي فيه، ودليل ذلك من السنة: "امكثي في بيتك"55، قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للفريعة بنت مالك عندما مات زوجها، وفي لفظ: "اعتدي في البيت الذي جاء فيه نعي زوجك"56، ولا يجوز لها أن تخرج منه إلا لضرورة قاهرة.
2. وجوب الإحداد عليها.
وسنفصل في ذلك عند الحديث عن حكم الإحداد في العدة.
رابعاً: عدة المفقود زوجها
غياب الزوج على حالين:
الأولى: أن يكون معلوم الحياة، متصل الأخبار، معروف البلد والعنوان، مستمر في النفقة على زوجه، فهذا لا مجال لزوجته أن تطالب بفراقه إلا إذا تضررت من ذلك، وامتنع زوجها من الحضور أوأخذها معه، ورفعت أمرها إلى القاضي، كحال كثير من الأزواج الذين سافروا خارج البلاد واستمرأوا الجلوس هناك، فمنهم من يصل غيابه إلى عشرين سنة أويزيد أوينقص عن ذلك، بجانب أن هؤلاء أجرموا في حق زوجاتهم وأولادهم وعرضوهن للفتن، وعرضوا أنفسهم كذلك للفتن، فمن حق المرأة في
مأخوذة من العدد، العِّدة بالكسر مصدر الإحصاء للعدد، والعُدَّة بالضم الشيء المستعد لشيء، والعَدُّ بالفتح الجملة المعدودة1.
تعريف العدة شرعاً
تربص يلزم المرأة عند زوال النكاح المتأكد أو شبهته2، وقيل: هي حريم لانقضاء النكاح.
حُكمُ العدة
حكم العدة الوجوب.
سببها
الطلاق، أوالوفاة، أوفقدان الزوج.
دليلها
الكتاب، والسنة، والإجماع.
فمن الكتاب
1. قوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخــر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصــلاحــاً"3.
2. وقوله: "واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن إرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللآئي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن"4.
3. وقوله تعالى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجـــاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً"5.
4. وقوله: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة"6.
ومن السنة
1. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امراته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي امر الله أن تطلق لها النساء"7.
2. "أمره صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم شريك".
الإجماع
أجمعت الأمة على وجوب العدة على المطلقة، والمتوفي والمفقود زوجها.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (العدد ليست من باب العبادات المحضة، فإنها تجب في حق الصغيرة والكبيرة، والعاقلة والمجنونة، والمسلمة والذمية، ولا تفتقر إلى نية).
حِكَم وعلل مشروعية العدة
للعدة حِكَم عدة، وتعليلات كثيرة تختلف باختلاف سبب العدة، ودين المعتدة، ونحو ذلك، وفي الجملة فقد شرعت العدة للحِكَم الآتية:
1. حق لله عز وجل، بامتثال أمره.
2. وحق للزوج، بإعطائه فرصة للمراجعة، وتقديراً لمكانته عند المرأة.
3. وحق للزوجة، وهو النفقة، والسكنى أثناء العدة.
4. تبرئة الرحم حتى لا تختلط الأنساب.
5. للتأكد من وجود الولد أم لا.
بِمَ تُحصى العدة؟
يختلف ذلك باختلاف حال النساء وسبب العدة.
فتحصى العِدَّة بـ:
1. الأقراء لمن كانت تحيض، فعدتها ثلاثة قروء، سواءً كان طهراً أو حيضاً حسب اختلاف أهل العلم في ذلك.
2. الشهور لمن كانت لا تحيض إما لصغر أوليأس منه، فعدتها ثلاثة أشهر قمرية.
3. وضع الحمل لمن كانت حاملاً، سواءً كانت عدة طلاق أووفاة.
4. أربعة أشهر وعشراً للمتوفي عنها غير الحامل.
5. امرأة المفقود، وتحصى عدتها بالسنوات والأشهر القمرية.
الأقراء، هل هي الحيض أم الأطهار؟
لأهل العلم في تأويل الأقراء في قوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" قولان هما:
1. الأقراء هي الحيض.
2. الأقراء هي الأطهار.
والقولان متكافئان من ناحية اللغة، لأن الأقراء من الأضداد يطلق على الحيض ويطلق على الأطهار، وكذلك من ناحية الأدلة، وذهب إلى لكل واحد من القولين طائفة من علماء الأمة المقتدى بهم من لدن الصحابة ومن بعدهم، وهذا من باب اختلاف التنوع الذي لا ينبغي لأحد أن يثرب فيه على أحد وأن كان أحد القولين أرجح من الآخر.
لقد توسع العلامة ابن القيم في مناقشة ذلك وأتى بأدلة الفريقين وناقشها نقاشاً مستفيضاً وانتصر إلى أن المراد بالأقراء الحيض، فمن أراد التوسع فليرجع لزاد المعاد8.
مَنْ ذهب إلى أن المراد بالأقراء الحيض
ذهب إلى هذا القول من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت، وأبوالدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن جبل؛ وهو قول أصحاب ابن مسعود كما قال ابن القيم: علقمة، والأسود، وإبراهيم، وشُريح؛ وأصحاب ابن عباس: سعيد بن جبير، وطاوس؛ وقول الشعبي، والحسن، وقتادة؛ وقول أئمة الحديث: إسحاق بن راهويه، وأبو عبيدة القاسم، وإحدى الروايات لأحمد، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
مَنْ ذهب إلى أن المراد بالأقراء الأطهار
من الصحابة: عائشة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وفقهاء المدينة السبعة، وأبان بن عثمان، والزهري؛ ومن الأئمة المقتدى بهم: مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وهومذهب الظاهرية رحمهم الله.
قال القرطبي9رحمه الله: (واختلف العلماء في الأقراء فقال أهل الكوفة: هي الحيض، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، والسُّدي.
وقال أهل الحجـاز: هي الأطهار، وهو قول عائشة، وابن عمـر، وزيد بن ثابت، والزهـري، وأبان بن عثمان، والشافعي؛ فمن جعل القرء اسماً للحيض سماه بذلك، لاجتماع الدم بالرحم، ومن جعله اسماً للطهر فلاجتماعه في البدن.
إلى أن قال:
واتفقوا على أن القرء الوقت، فإذا قلت: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات"، سارت الآية مفسرة في العدد، محتملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها، فدليلنا قول الله تعالى: "فطلقوهن لعدتهن"، ولا خلاف أنه يأمر بالطلاق وقت الطهر فيجب أن يكون هو المعتبر في العدة، فإنه قال: "فطلقوهن" يعني وقتاً تعتد به، ثم قال تعالى: "واحصوا العدة" يريد ما تعتد به المطلقة وهو الطهر الذي تطلق فيه، وقال صلى الله عليه وسلم: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" أخرجه مسلم وغيره؛ وهو نص في أن زمن الطهر هو الذي يسمى عدة، وهو الذي تطلق فيه النساء.
ولا خلاف أن من طلق في حال الحيض لم تعتد بذلك الحيض، ومن طلق في حال الطهر فإنه تعتد عند الجمهور بذلك الطهر، فكان ذلك أولى.
وقال الشيخ البسام حفظه الله: أما تفسير الأقراء المذكور في قوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء"، فقد اختلف العلماء في ذلك سلفاً وخلفاً على قولين:
أحدهما: أن المراد بالأقراء الأطهار، قالت عائشة إنما الأقراء الأطهـار؛ وقال الإمـام مالك عن ابن شهاب سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلاَّ وهو يقول ذلك.
وهو مـروى عن ابن عبـاس، وزيد بن ثـابت، وسـالـم، والقـاسـم بن محمـد، وعـروة وأبي بكر بن عبد الرحمن، وقتادة والزهري، وبقية الفقهاء السبعة وغيرهم، وهو مذهب مالك، والشافعي، وداود، وأبي ثور، ورواية عن أحمد.
الثاني: أن المراد بالأقراء: هي الحيض، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
قال القاضي10: الصحيح عن أحمد أن الأقراء هي الحيض وإليه ذهب أصحابنا.
إلى أن قال: أما دليل من يرى أن ـ القرء ـ هو الحيض قوله تعالى: "واللائي يئسن من المحيض" الآية، فقد شرع الله تعالى الاعتداد عند عدم الحيض بالأشهر، مما يدل على أن الأصل الحيض، ولأن المعهود11 في لسان الشارع استعمال القرء بعد الحيض، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "تدع الصلاة أيام قرئها" رواه أبو داود، وبما رواه النسائي من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "إذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء"، ولأن ظاهر قوله تعالى: "يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" وجوب التربص ثلاثة كاملة، ومن جعل القروء الأطهار يكتفى بطهرين، وبعض الثالث فيخالف ظاهر النص والله أعلم)12.
ثمرة الخلاف في تفسير القروء
أجمع العلماء على أن من طلقت وهي حائض لا تعتد بهذه الحيضة، ثم اختلفوا، فمن قال: إن الأقراء هي الأطهار فإن طلقها في طهر ما لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة أولحظة، ثم تضيف إليه طهرين، فإن رأت الحيضة الثالثة انقضت عدتها.
ومن قال إن الأقراء هي الحيض وطلقت وهي طاهر انتظرت حتى تحيض ثلاثة حيض، فإذا طهرت بعد الثالثة انقضت عدتها.
قال القرطبي: (فإن طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه، ولو ساعة ولو لحظة، ثم استقبلت طهراً ثانياً بعد حيضة، ثم ثالثاً بعد حيضة ثانية، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت واعتدت بما بقي من ذلك الطهر؛ وقال الزهري في امرأة طلقت في بعض طهرها: إنها تعتد بثلاثة أطهار سوى بقية ذلك الطهر؛ قال أبوعمر: لا أعلم احداً ممن قال: الأقراء الأطهار، يقـول هذا غير ابن شهاب الزهري، فإنه قال: تلقي الطهر الذي طلقت فيه، ثم تعتد بثلاثة أطهار، لأن الله عز وجل يقول: "ثلاثة قروء".
قلت: فعلى قوله لا تحل المطلقة حتى تدخل في الحيضة الرابعة، وقول ابن القاسم، ومالك، وجمهور أصحابه، والشافعي، وعلماء المدينة: أن المطلقة إذا رأت أول نقطة من الحيضة الثالثة خرجت من العصمة، وهو مذهب زيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمـر، وبه قـال أحمد بن حنبـل، وإليه ذهب داود بن علي وأصحابه، والحجة على الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في طلاق الطاهر من غير جماع، ولم يقل أول الطهر ولا آخره.
وقال أشهب: لا تنقطع العصمة والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض، لئلا تكون دفعة دم من غير حيض.
إلى أن قال: وقال بعض من يقول بالحيض: إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة بعد الغسل، وحلت الرجعة قاله سعيد بن جبير، وطاوس، وابن شبرمة، والأوزاعي، وقال شريك: إذا فرطت المرأة في الغسل عشرين سنة فلزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل).
السنة أن تطلق المرأة في طهر لم تمسَّ فيه، فإن طلقها وهي حائض فهذا طلاق بدعي، ولكنه يقع، وعليه أن يؤمر بمراجعتها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء أمسك وإن شاء طلق.
وكذلك يكره أن يطلقها وهي حامل13 لئلا تطول عليها العدة مع وقوع الطلاق.
وهذا كله يرجح قول من قال المراد بالقروء الطهر، والله أعلم.
أنواع العِدد
أولاً: عدة المطلقة الحرة
أ. المطلقة غير المدخول بها
إذا عقد الرجل على المرأة ولم يدخل ولم يَخلُ بها، ثم طلقها، فليس له عليها عدة ولا رجعة، إلاَّ بخطبة وعقد جديدين.
وليس لها عليه نفقة، ولا سكنى، وليس بينهما توارث، وله أن يمتِّعها بما شاء من المال والملابس، إن لم يكن سمى لها صداقاً فإن سمى لها صداقاً فله نصفه، ودليل ذلك قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً"14 .
قال القرطبي: (فالمطلقة إذا لم تكن ممسوسة لاعدة عليها بنص الكتاب، وإجماع الأمة على ذلك، فإن دخل فعليها العدة إجماعاً.
إلى أن قال: هذه الآية مخصصة لقوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء"، ولقوله: "واللائي يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر".
إلى أن قال: قوله تعالى: "فمتعوهن"، قال سعيد: هي منسوخة بالآية التي في البقرة، وهي قوله: "وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم"15، أي فلم يذكر المتعة)16.
ب. المطلقة المدخول بها
المطلقة المدخول بها أوإذا خلا بها تجب عليها العدة، سواء كانت هذه الفرقة بطلاق، أوخلع، أوفسخ، أونكاح فاسد كمن تزوج من غير ولي، ولا تجب في نكاح باطل لمن تزوج بخامسة إلاَّ بوطء، سواءً بذلك كانت الطلقة رجعية أوبائنة.
فإن كانت المفارقة حاملاً فبوضع حملها ولو وضعت بعد ساعة من طلاقها، وإن كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة قروء، وإن كانت صغيرة أويائسة فعدتها ثلاثة أشهر.
وإليك تفصيل ذلك من بعض أقوال أهل العلم:
1. الحامل
عدتها من وفاة أو طلاق أو فسخ وضع حملها.
قال في نيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب17: (الحامل وعدتها من وفاة، أوطلاق، أوفسخ وضع ما يتبين فيه خلق إنسان، ولو خفياً، مسلمة كانت أوكافرة، وأقل مدة الحمل ستة أشهر منذ نكاحها، وأمكن اجتماعه بها، فلو أتت به بدون ذلك وعاش لم تنقض به عدتها من زوجها، لعدم لحوقه به، وغالب مدة الحمل تسعة أشهر؛ لأن غالب النساء يلدن فيها، واكثر مدة الحمل أربع سنين لأنها أكثر ما وجد).
و قال القرطبي رحمه الله: (ولا خلاف بين العلماء على أن أجل كُلِّ حامل مطلقة يملك الزوج رجعتها أولا يملك، حرة كانت أومُدَبَّرة أومكاتَبَة، أن تضع حملها)18.
وقال: (إذا وضعت المرأة ما وضعت من علقة، أومضغة حلت؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا تحل إلاَّ بما يكون ولداً)19.
أقل الحمل وأكثره
أقل الحمل ستة أشهر لقوله تعالى: "وحمله وفصاله ثلاثون شهراً"، واختلف الناس في اكثر الحمل على أقوال، أشهر ما قيل فيه أربع سنوات هذا إذا تركت الحامل لحالها من غير وجع صناعي، أوفتح بطن، وقيل لا حدَّ لكثره.
قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: "الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الرحام وما تزداد وكل شيءٍ عنده بمقدار"20: (في هذه الآية دليل على أن الحامل قد تضع حملها لأقل من تسعة أشهر وأكثر، وأجمع العلماء على أن اقل الحمل ستة أشهر، وأن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر.
وهذه الأشهر هي بالأهلة كسائر أشهر الشريعة، ولهذا قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك، وأظنه في كتاب ابن الحارث أنه إن نقص عن الأشهر الستة ثلاثة أيام فإن الولد يلحق لعلة نقص الشهر وزيادتها، حكاه ابن عطية.
واختلف العلماء في أكثر الحمل، فروى ابن جريج عن جميلة بنت سعد، وعن الليث بن سعد عن عائشة قالت: إن أكثره ثلاثة سنين؛ وعن الشافعي أربع سنين.
وروي عن مالك في إحدى روايتيه والمشهور عنه خمس سنين، وروي عنه لا حد له ولو زاد على العشرة أعوام، وهي الرواية الثالثة عنه، وعن الزهري ست وسبع؛ قال أبو عمر - ابن عبد البر - ومن الصحابة من يجعله إلى سبع؛ والشافعي مدة الغاية منها أربع سنين؛ والكوفيون يقولون: سنتان لا غير؛ ومحمد بن عبد الحكم يقول: سنة لا أكثر؛ وداود يقول: تسعة أشهر، لا يكون عنده حمل أكثر منها؛ قال أبو عمر: وهذه مسألة لا أصل لها إلاَّ الاجتهاد، والرد على ما عرف من أمر النساء، وبالله التوفيق.
روى الدار القطني عن الوليد بن مسلم: قال: قلت لمالك بن أنس إني حدثتُ عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين، قدر ظل المغزل؛ فقال: سبحان الله! من يقول هذا؟! هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، امرأة صدق، وزوجها رجل صدق، حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل بطن أربع سنين؛ وذكره عن ابن المبارك عن ابن مجاهد قال: مشهور عندنا كانت امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، وكانت تسمى حاملة القيل.
وروي أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إني غبتُ عن امرأتي سنتين، وهي حبلى، فشاور عمر الناس، فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين! إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل، فاتركها حتى تضع؛ فتركها فوضعت غلاماً قد خرجت ثناياه، فعرف الرجل الشبه، فقال: ابني ورب الكعبة! فقال عمر: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر.
وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سني؛ ويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن أمه سنتين، وقيل ثلاث سنين، ويقال: إن محمد بن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث سنين، فماتت به وهو يضطرب اضطراباً شديداً، فشق بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه.
وقال حماد بن سلمة: إنما سمي هَرِم بن حيان هرماً لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين، وذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين، وقد طلعت سنه فسمي ضحاكاً؛ عباد بن العوام قال: ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاماً شعره إلى شغره إلى منكبيه، فمر به طير فقال: كش)21 .
إذا أسقطت الحامل ما في بطنها بشرب دواء ونحوه هل تنقضي عدتها؟ أم لا؟
لا يجوز لمعتدة أن تشرب دواء لتطويل مدة الحيض أوتقصيرها، أولقطعه، ولا يجوز لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسقط ما في بطنها سواء كان نطفة أوتخلق، أثبت الأطباء أنه مشوه أم لا.
ولا يحل إسقاط الجنين إلا إذا أثبت الأطبة الثقات أن في وجوده خطراً على حياة أمه.
لقد رخص بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة في إسقاط الجنين قبل التخلق، أي دون مائة وعشرين يوماً، سيما إذا أثبتت الفحوصات المختبرية أنه مشوه الخلقة، وأجازت ذلك هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية22، مع بعض التحوطات.
وهذا قول ضعيف، وفيه تجن على خلق من خلق الله عز وجل.
قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها ما لم ينفخ فيه الروح، وجعلوه كالعزل، وهو قول ضعيف، لأن الجنين ولد وانعقد، وربما تصور، وفي العزل لم يوجد ولد بالكلية، وإنما تسبب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع انعقاده إذا أراد الله خلقه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن العزل: "لا عليكم أن لا تعزلوا، إنه ليس من نفس منفوسة إلا الله خالقها"23.
وقد صرح أصحابنا بأنه إذا صار الولد علقة لم يجز للمرأة إسقاطه، لأنه ولد انعقد بخلاف النطفة، فإنها لم تنعقد بعد، وقد لا تنعقد أبداً)24.
ولأنه ورد في بعض روايات حديث بن مسعود رضي الله عنه أن الجنين يمكن أن يتخلق في العلقة وتنفخ فيه الروح25.
أقل ما تنقضي به العدة من الحمل
أقل ما تنقضي به العدة وتعتق به أم الولد المضغة المخلقة، إذا دخل في العقد الثالث من أطواره، وأقل ذلك أن يكون عمر السقط واحداً وثمانين يوماً.
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود أن لا تصوير قبل ثمانين يوماً.
إلى أن قال:
وقد أخذ طوائف من الفقهاء بظاهر هذه الرواية، وتأولوا حديث ابن مسعود المرفوع عليها، وقالوا أقل ما يتبين خلق الولد أحد وثمانون يوماً، لأنه لا تكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة، ولا يتخلق قبل أن يكون مضغة.
وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي بناء على هذا الأصل: إنه لا تنقضي العدة، ولا تعتق أم الولد إلا بالمضغة المخلقة، وأقل ما يمكن أن يتخلق أويتصور في أحد وثمانين يوماً.
وقال أحمد في العلقة: هي دم لا يستبين فيها الخلق، فإن كانت المضغة غير مخلقة فهل تنقضي بها العدة؟ وتصير أم الولد بها مستولدة؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، وإن لم يظهر فيها التخطيط، ولكن كان خفياً لا يعرفه إلا أهل الخبرة من النساء، فشهدن بذلك، قبلت شهادتهن، ولا فرق بين أن يكون بعد تمام أربعة أشهر أوقبلها عند أكثر العلماء، ونصَّ على ذلك الإمام أحمد في رواية خلق من أصحابه، ونقل عنه ابنه صالح في الطفل في الأربعة يتبين خلقه.
قال الشعبي: إذا نكِّس في الخلق الرابع، كان مخلقاً، انقضت به العدة، وعتقت به الأمة، إذا كان لأربعة أشهر؛ وكذا نقل عنه26 حنبل: إذا أسقطت أم الولد، فإن كان خلقه تاماً عُتقت، وانقضت به العدة إذا دخل في الخلق الرابع في أربعة أشهر ينفخ فيه الروح، وهذا يخالف رواية الجماعة عنه.
وقد قال أحمد في رواية عنه: إذا تبين خلقه، ليس فيه اختلاف أنها تعتق بذلك إذا كانت أمة، ونقل عنه جماعة أيضاً في العلقة إذا تبين أنها ولد أن الأمة تعتق بها، وهو قول النخعي، وحُكي قولاً للشافعي، ومن أصحابنا من طرد هذه الرواية عن أحمد في انقضاء العدة أيضاً، وهذا كله مبني على أنه يمكن التخلق في العلقة)27.
2. المعتدة بالحيض
أقل مدة تنقضي بها عدة الحائض
اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال هي:
شهر: وقد روي هذا عن شريح واستحسنه علي رضي الله عنه، وقال به عدد من أهل العلم.
شهر ونصف: وهو قول للمالكية.
سبعة وأربعون يوماً: وهذا مذهب أبي ثور.
ستون يوماً: وهذا مذهب أبي حنيفة وقول للشافعي.
قال القرطبي: (قال ابن المنذر: وقال كل من حفظت عنه من أهل العلم: إذا قالت المرأة في عشرة أيام: قد حضتُ ثلاث حيض وانقضت عدتي؛ أنها لا تصدق ولا يُقبل ذلك منها، إلا أن تقول: قد أسقطتُ سقطاً قد استبان خلقه.
واختلفوا في المدة التي تصدق فيها المرأة، فقال مالك: إذا قالت انقضت عدتي في أمد تنقضي28 في مثله العدة قبل قولها، فإن أخبرت بانقضاء العدة في مدة تقع نادراً فقولان، قال في المدونة: إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر صُدِّقت إذا صدقها النساء، وبه قال شريح، وقال له علي بن أبي طالب: "قالون"29، أي أصبت وأحسنت، وقال في كتاب محمد: لا تصدق إلا في شهر ونصف، ونحوه قول أبي ثور، قال أبو ثور: أقل ما يكون ذلك في سبعة وأربعين يوماً، وذلك أن أقل الطهر خمسة عشرة يوماً، وأقل الحيض يوم.
وقال النعمان – أبو حنيفة -: لا تصدق في أقل من ستين يوماً؛ وقال به الشافعي).30
3. عدة المرتابة
الارتياب قد يكون بانقطاع الدم، أوباشتباه الحمل، أوبالاستحاضة، ونحوه؛ انقطاع الدم إما أن يكون:
1. ليأس، فهذه تعتد بالشهور وتلغي ما اعتدته بالحيض إذا كان دون الثلاثة.
2. لمرض، فلها أن تعالج ذلك وتنتظر حتى تقضي ثلاثة قروء طالت المدة أم قصرت.
3. لا تدري سبب الانقطاع، وهي شابة لم تقارب سن اليأس، فعدتها سنة، تسعة أشهر استبراء، وثلاثة أشهر عدة.
قال القرطبي: (المرتابة في عدتها لا تنكح حتى تستبرئ نفسها من ريبتها، ولا تخرج من العدة إلا بارتفاع الريبة، وقد قيل في المرتابة التي رفعت حيضتها وهي لا تدري ما رفعها أنها تنتظر سنة من يوم طلقها زوجها، منها تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدة، فإن طلقها فحاضت حيضة أوحيضتين ثم ارتفع عنها بغير يأس منها انتظرت تسعة أشهر، ثم ثلاثة من يوم طهرت من حيضتها ثم حلت للأزواج؛ وهذا قول الشافعي بالعراق، وعلى قياس هذا، وروي عن الشافعي أن أقراءها على ما كانت حتى تبلغ سن اليائسات، وهو قول النخعي والثوري وغيرهما، وحكاه أبو عبيد عن أهل العراق.
إلى أن قال:
وأما من تأخر حيضها لمرض، فقال مالك وابن القاسم وعبد الله بن أصبغ: تعتد تسعة أشهر ثم ثلاثة، وقال أشهب: هي كالمرضع بعد الفطام بالحيض أوبالسَّنة)31.
من ارتابت بشبهة حمل
من ارتابت بشبهة حمل لأهل العلم فيها قولان:
1. تعتد بسنة، تسعة للحمل وثلاثة للعدة، وهذا القول أقيس.
2. تعتد بثلاثة قروء.
قال القرطبي: (فإن كانت المرأة شابة، استؤنى بها هل هي حامل أم لا؟ فإن استبان حملها فإن أجلها وضعه، وإن لم يستبن فقال مالك: عدة التي ارتفع حيضها وهي شابة سنة؛ وبه قال أحمد وإسحاق، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره، وأهل العراق – الأحناف - يرون أن عدتها ثلاثة حيض، بعدما كانت حاضت مرة واحدة في عمرها، وإن مكثت عشرين سنة، إلى أن تبلغ من الكبر مبلغاً تيأس فيه من الحيض، فتكون عدتها بعد الإياس ثلاثة أشهر؛ قال الثعلبي: وهذا الأصح من مذهب الشافعي وعليه جمهور العلماء، وروي ذلك عن ابن مسعود وأصحابه، قال الكيَّا32: وهو الحق، لأن الله تعالى جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر، والمرتابة ليست آيسة)33.
قلت: ما قاله أهل العراق ومن وافقهم فيه إجحاف بالمرأة وظلم، والقول الأول وهو أن تجلس سنة فيه تبرأة للرحم، واطمئنان إلى عدم وجود ولد، وفيه رفق بالمرأة حتى إذا أرادت الزاوج كانت لها فرصة الإنجاب، أما القول الثاني فإنه يحرم المرأة من الزواج في الغالب ومن الإنجاب قطعاً.
من لا تحيض وهي مرضع
من عادة بعض النساء أنها لا تحيض وهي ترضع، فإن كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة قروء بعد حيضتها، وإن كانت ممن يعتددن بالشهور لصغر أونحوه فتجلس سنة كاملة.
قال القرطبي: (وقد طلق حبََّان بن منقذ امرأته وهي ترضع، فمكثت سنة لا تحيض لأجل الرضاع، ثم مرض حبَّان فخاف أن ترثه فخاصمها إلى عثمان وعنده علي وزيد - رضي الله عنهم - فقالا: نرى أن ترثه، لأنها ليست من القواعد، ولا من الصغار، فمات حبَّان فورثته واعتدت عدة الوفاة)34.
المرتابة باستحاضة
لأهل العلم في عدة المستحاضة ثلاثة أقوال هي:
1. عدتها سنة: وهذا مذهب ابن المسيب، ومالك، والليث بن سعد.
2. عدتها ثلاثة أشهر.
3. عدتها ثلاثة قروء: إن كانت تعلم موعد حيضها وطهرها قبل الاستحاضة.
قال القرطبي: (وأما التي تجهل حيضها بالاستحاضة ففيها ثلاثة أقوال، قال ابن المسيب: تعتد بسنة؛ وهو قول الليث، قال الليث: عدة المطلقة وعدة المتوفي عنها زوجها إذا كانت مستحاضة سنة؛ وهو مشهور قول علمائنا، سواءً علمت دم حيضها من دم استحاضتها وميزت ذلك أولم تميزه،عدتها في ذلك كله عند مالك في تحصيل مذهبه سنة، منها تسعة أشهر إستبراء وثلاثة عدة.
وقال الشافعي في أحد قوليه: عدتها ثلاثة أشهر؛ وهو قول جماعة من التابعين والمتأخرين من القرويين، قال ابن العربي: وهو الصحيح عندي؛ وقال أبو عمر - ابن عبد البر -: المستحاضة إذا كان دمها متصل فعلمت اقبال حيضتها أوادبارها اعتدت ثلاثة قروء؛ وهذا أصح في النظر وأثبت في القياس والأثر)35.
وما قاله ابن عبد البر ورجحه القرطبي هو الراجح أن شاء الله.
عدة الصغيرة إذا رأت الدم
إذا شرعت الصغيرة في العدة بالشهور ثم رأت الدم ألغت ما مضى من عدتها بالشهور إذا لم تكمل ثلاثة أشهر، وشرعت في العدة بالأقراء.
أقل سن للحيض، واليأس
أقل سن للحيض سن التاسعة، فإن رأت الدم قبل التاسعة فليس بحيض، اما إذا رأته بعد سن التاسعة فهو حيض؛ والحيض المعتبر هو ما تكرر ثلاثة مرات فأكثر.
أما اليأس فليس له حد ويختلف باختلاف النساء والبيئات.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة36.
إن بلغت سن الخامسة عشر ولم تحض
قولان لأهل العلم:
1. تعتد بالشهور لظاهر قوله تعالى: "واللاَّئي لم يحضن"، وهذا مذهب الجمهور، وهذا الراجح.
2. تعتد عدة المرتابة سنة كاملة.
قال ابن قدامة: (فإن بلغت سناً تحيض فيه النساء في الغالب فلم تحض لخمس عشرة سنة، فعدتها ثلاثة أشهر في ظاهر قول الخرقي، وهو قول أبي بكر، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وضعف أبو بكر الرواية37 المخالفة لهذا، وقال: رواها أبو طالب فخالف فيها أصحابه، وذلك ما روى أبو طالب عن أحمد تعتد سنة، قال القاضي38: هذه الرواية أصح؛ لأنه متى أتى عليها زمان الحيض فلم تحض صارت مرتابة، يجوز أن يكون بها حمل منع حيضها فيجب أن تعتد بسنة)39.
ثانياً: عدة المطلقة الأمَة، وأم الولد
تمهيد
لله در الإمام أبو الحسن الماوردي حين قال في كتابه أدب الدين والدنيا40: (ليس دين زال سلطانه إلاَّ بدلت أحكامه، وطمست أعلامه، وكان لكل زعيم فيه بدعة، ولكل عصر فيه وَهْية41 أثر).
تذكرت تلك الكلمة المضيئة وأنا أريد أن أتحدث عن أحكام عدة الأمة حيث أضحى كثير من المسلمين يستهجن ذكر أي حكم متعلق بالمماليك وذلك لأسباب منها:
1. الخلط بين الرق الشرعي والرق الاجتماعي.
2. ترك المسلمين للجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام بعد أن ركنوا إلى الدنيا.
3. غياب الإسلام عن الحكم واستبدال المسلمين للذي هو أدنى بالذي هو خير.
4. الجهل الفاضح بأبجديات هذا الدين وخلوده.
لهذا يتحتم عليَّ أن أعرِّف الرق الشرعي ليفرق الناس بينه وبين الرق الاجتماعي الذي شرعه في العصر الحديث الأمريكان والأوربيون، وجاراهم في ذلك بعض المسلمين.
يعرف العلماء الرق: بأنه عجز حكمي سببه الكفر، فلا علاقة بين اللون والمستوى المعيشي وبين الرق.
فإذا خرج المسلمون لجهاد الطلب الذي هو أسُّ الجهاد، لمجاهدة من يحول بين الخلق وبين الدخول في الإسلام من الطغاة، والجبابرة، والمترفين، فمن قبل الإسلام فله ما للمسلمين من الحقوق وعليه ما عليهم من الواجبات؛ ومن أبى الإسلام أخذت منه الجزية إن كان من الكفار الكتابيين اليهود والنصارى أوالمجوس؛ ومن رفض الإسلام والجزية قوتل، فمن قتل فهو في النار ومن أسِر فهو رقيق مملوك، ولإمام المسلمين قتله في الحال، وإن امتنَّ عليه بالأسر فهو مملوك وإن أسلم بعد ذلك، إلآَّ أن يعتق أويكاتب سيده.
وعليه فالذي يظهر لي أنه ليس هناك رق شرعي في هذا العصر، لترك المسلمين الجهاد منذ أمد، اللهم إلاَّ أن يكون متوارثاً عن الأجداد.
أما من يطلق عليهم بعض من لا يعرف الشرع بأنهم رقيق فهذا من باب الخطأ والظلم البين، فلا ينبغي أن يتحمل الإسلام أخطاء غيره.
ولكن هذا لا يعني أن نسكت عن بيان الأحكام المتعلق بالأرقاء، ذكوراً كانوا أم إناثاً، في الإمامة، والعتق، والعدة، ونحو ذلك، كما بينها سلفنا الصالح في مصنفاتهم، كما وردت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فمن تعقد من ذكر ذلك فقد أوتي من جهله بالإسلام، وانهزامه، واستكانته، وعليه أن يراجع دينه وإيمانه.
بعد هذا التمهيد نرجع إلى موضوعنا وهو عدة المطلقة إن كانت من الإماء، أوأمهات الأولاد، فنقول:
الأمة المطلقة لها حالان
1. إما أن تكون ممن تحيض، فعدتها على النصف من عدة الحرة وهي قرءان؛ لأن القرء لا يتجزأ في أرجح قولي العلماء، وهو الذي عله عامة السلف والخلف.
2. وإما أن تكون ممن لا تحيض لصغر أوليأس فعدتها شهر ونصف وقيل شهران.
وقد ذهبت طائفة من أهل العلم منهم الظاهرية إلى أن عدة الأمة مثل عدة الحرة تماماً، وهذا قول مرجوح، ومصادم لظاهر النصوص ولإجماع الأمة.
الأدلة على ذلك
1. ما روته عائشة رضي الله عنها ترفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان"42.
2. وقال عمر: "عدة الأمة حيضتان، نصف عدة الحرة، ولو قدرت على أن أجعلها حيضة ونصف لفعلت"، وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه منهم أحد.
3. وعن ابن عمر: أيهما رق نقص طلاقه، ذكراً كان أم انثى.
4. إجماع العامة من أهل العلم على ذلك.
أقوال العلماء في عدة الأمة
قال ابن قدامة بعد أن ذكر أثر عمر السابق: (فدل على انه إجماع منهم، وهو قول عشرة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة، وحسبك ما قالوا.
إلى أن قال: والجمهور من العلماء على أن عدة الأَمة التي تحيض من طلاق زوجها حيضتان، وروي عن ابن سيرين أنه قال: ما أرى عدة الأمة إلآَّ كعدة الحرة، إلآَّ أن تكون مضى في ذلك سنة، فإن السنة أحق أن نتبع.
وقال الأصم عبد الرحمن بن كيسان، وداود بن علي - الظاهري - وجماعة من أهل الظاهر: إن الآيات في عدة الطلاق والوفاة بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة، فعدة الأمة والحرة سواء)43.
وقال الخرقي في مختصره: (والأمة شهران44، أي عدتها بالأشهر، قال ابن قدامة في شرح ما قال الخرقي: اختلفت الروايات عن أبي عبد الله في عدة الأمة، فأكثر الروايات عنه، أنها شهران، رواه عنه جماعة من أصحابه، واحتج فيه بقول عمر رضي الله عنه: عدة أم الولد45 حيضتان ولو لم تحض كان عدتها شهرين، رواه الأثرم عنه بإسناده، وهذا قول عطاء، والزهري، وإسحاق، وأحد أقوال الشافعي؛ لأن الأشهر بدل القروء، وعدة ذات القروء قرءان، فبدلهما شهران، ولأنها معتدة بالشهور من غير الوفاة، فكان عددها كعدد القروء، لو كانت ذات قروء كالحرة.
والرواية الثانية: أن عدتها شهر ونصف نقلها الميموني، والأثرم، واختارها أبو بكر، وهذا قول علي رضي الله عنه، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن المسيب، وسالم، والشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول ثانٍ للشافعي؛ لأن عدة الأمة نصف عدة الحرة، وعدة الحرة ثلاثة أشهر، فنصفها شهر ونصف.
إلى أن قال:
والرواية الثالثة: أن عدتها ثلاثة أشهر؛ روي ذلك عن الحسن، ومجاهد، وعمربن عبد العزيز، والنخعي، ويحي الأنصاري، وربيعة، ومالك، وهو القول الثالث للشافعي لعموم قوله تعالى: "فعدتهن ثلاثة أشهر")46.
وقال ابن القيم: (ولا نعرف التسوية بين الحرة والأمة في العدة عن أحد من السلف إلآَّ محمد بن سيرين، ومكحول؛ فأما ابن سيرين فلم يجزم بذلك، وأخبر به عن رأيه، وعلق القول به على عدم سنة تتبع، وأما قول ابن مسعود فلم يذكر له سند)47.
عدة الزانية إذا أرادت الزواج
لا يصح زواج الزانية إلآَّ بشروط هي:
1. التوبة النصوح، فالإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها، وقد نهى الله عز وجل عن نكاح الزانية غير التائبة بقوله: "الزانية لا ينكحها إلآَّ زانٍ أومشرك وحرم ذلك على المؤمنين"48.
2. بوضع حملها إن كانت حاملاً، حرة كانت أم أمة.
وإن لم تكن حاملاً فقد اختلف فيها العلماء على قولين هما:
1. تعتد بثلاثة قروء إن كانت من ذوات الأقراء، أو بثلاثة شهور إن كانت صغيرة لا تحيض أوكبيرة انقطع دمها، وهذا مذهب مالك، ورواية عن أحمد.
2. تعتد بحيضة واحدة وهذا مذهب الجمهور.
قال الشيخ البسام في اختياراته الجلية49: (اختلف العلماء في الزانية غير الحامل هل تجب عليها عدة أوتستبرأ بحيضة واحدة؟ فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب عليها عدة، وإنما تستبرأ بحيضة، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وهي رواية عن أحمد، ويرى مالك استبراءها بثلاث حيض؛ واستدل هؤلاء بقوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش"، والدلالة فيه غير واضحة، وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى وجوب العدة عليها، وإن عدتها كعدة المطلقة، وهو قول الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، واختاره الشيخ تقي الدين - ابن تيمية -، وابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن السعدي رحمهم الله، ودليل هذا القول العمومات الواردة في وجوب العدة من الوطء، يقتضي شغل الرحم فوجبت العدة منه كوطء الشبهة).
ثالثاً: عدة المتوفي عنها زوجها
1. الحرة
عدة الوفاة تجب بالموت سواءً دخل بها أولم يدخل اتفاقاً، كما دل عليه عموم القرآن والسنة، واتفقوا على أنهما يتوارثان قبل الدخول، ولها كامل الصداق المسمى، وكذلك مهر المثل في أرجح قولي العلماء.
الحرة المتوفي عنها زوجها أما أن تكون:
1. حاملاً: فعدتها بوضع ما استبان من الحمل، ولو كان زوجها على سرير الموت لم يدفن بعد؛ وهناك قول مرجوح أنها تعتد بأطول الأجلين، وضع الحمل أوالأربعة أشهر وعشراً، وقد روي هذا القول عن علي، وابن عباس رضي الله عنهم؛ وقيل إن ابن عباس رجع لقول العامة.
2. غير حامل: فعدتها أربعة أشهر وعشراً، سواءً كانت ممن تحيض أولا تحيض.
هذا بعد أن كانت عدة المتوفي عنها زوجها سنة كاملة فقد خفف الله عليهن ورفق بهن.
2. الأمَة وأم الولد
1. إن كانت إحداهما حاملاً فبوضع الحمل.
2. وإن كانت غير حامل فعدتها على النصف من عدة الحرة وهي شهران وخمسة أيام، وقيل كعدة الحرة.
الأدلة
1. قوله تعالى: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير"50.
2. حديث سبيعة الأسلمية، وقد ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر، وقال البخاري بأربعين يوماً، فسألت الرسول صلى الله عليه وسلم قالت: " فأفتاني بأني قد حللت حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي"51.
أقوال العلماء في عدة المتوفي عنها زوجها
قال القرطبي رحمه الله: (عدة الحامل المتوفي عنها زوجها وضع حملها عند جمهور العلماء، وروي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين واختاره سحنون من علمائنا.
وقد روي عن ابن عباس أنه رجع عن هذا، والحجة لما روي عن علي، وابن عباس رَوْمُ الجمع بين قوله تعالى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً"، وبين قوله: "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن"، وذلك أنها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول، وهذا نظر حسن لولا ما يعكر عليه من حديث سُبيعة الأسلمية: "أنها نفست بعد وفاة زوجها بليال.."، فبيَّن الحديث أن قوله تعالى: "وأولات الأحمال.." الآية محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنفين.
إلى أن قال:
وقال ابن شهاب: ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها، غير أن زوجها لا يقربها حتى تطهر؛ وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء، وقال الحسن، والشعبي، والنخعي، وحماد: لا تنكح النفساء ما دامت في دم نفاسها، فاشترطوا شرطين:
1. وضع الحمل.
2. والطهر من دم النفاس.
والحديث حجة عليهم).52
وقال ابن القيم رحمه الله: (وأما عدة الوفاة، فتجب بالموت، سواء دخل بها أولم يدخل اتفاقاً، كما دل عليه عموم القرآن والسنة، واتفقوا على أنهما يتوارثان قبل الدخول، وعلى أن الصَّداق يستقر إذا كان مسمى، لأن الموت لما كان انتهاء العقد استقرت به الأحكام، فتوارثا، واستقر المهر، ووجبت العدة.
واختلفوا في مسألتين:
إحداهما: وجوب مهر المثل إذا لم يكن مسمى، فأوجبه أحمد، وأبوحنيفة، والشافعي في أحد قوليه، ولم يوجبه مالك والشافعي في القول الآخر، وقضى بوجوبه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في السنة الصحيحة الصريحة من حديث بَرْوَع بنت واشق، وقد تقدم، ولو لم ترد به السنة لكان هو محض القياس، لأن الموت أجري مجرى الدخول في تقرير المسمى، ووجوب العدة.
والمسألة الثانية: هل يثبت تحريم الربيبة بموت الأم كما يثبت بالدخول بها؟ وفيه قولان للصحابة، وهما روايتان عن أحمد.
والمقصــود أن العدة فيه ليست للعلم ببراءة الرحـــم، فإنها تجب قبل الدخول بخلاف عدة الطلاق).54
عدة الوفاة تختص بأمرين عن عدة الطلاق
هما:
1. يجب على المتوفى عنها زوجها أن تعتد في المنزل الذي مات زوجها وهي فيه، ودليل ذلك من السنة: "امكثي في بيتك"55، قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للفريعة بنت مالك عندما مات زوجها، وفي لفظ: "اعتدي في البيت الذي جاء فيه نعي زوجك"56، ولا يجوز لها أن تخرج منه إلا لضرورة قاهرة.
2. وجوب الإحداد عليها.
وسنفصل في ذلك عند الحديث عن حكم الإحداد في العدة.
رابعاً: عدة المفقود زوجها
غياب الزوج على حالين:
الأولى: أن يكون معلوم الحياة، متصل الأخبار، معروف البلد والعنوان، مستمر في النفقة على زوجه، فهذا لا مجال لزوجته أن تطالب بفراقه إلا إذا تضررت من ذلك، وامتنع زوجها من الحضور أوأخذها معه، ورفعت أمرها إلى القاضي، كحال كثير من الأزواج الذين سافروا خارج البلاد واستمرأوا الجلوس هناك، فمنهم من يصل غيابه إلى عشرين سنة أويزيد أوينقص عن ذلك، بجانب أن هؤلاء أجرموا في حق زوجاتهم وأولادهم وعرضوهن للفتن، وعرضوا أنفسهم كذلك للفتن، فمن حق المرأة في