تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : خيبات رجل... خايب جداً!


توفيق
09-04-2006, 03:01 PM
الخيبة الأولى...
كانت أمي ديماً تقول معبرة عن إعجابها الشديد بأبويا: من بعدك يا سي بعلي مفيش رجاله!
أما زوجتي الحبيبة فتعبر عن إعجابها بي، مؤكدة للآخرين في خيبة أمل: انه ظل رجل ولا ظل حيطة!

لا اخفي عليكم يا رفاق، أن مأثورة زوجتي أعلاه، كانت سبباً بل ودافعاً قوياً حتى أقوم بسحق رأسي في أي حيطة مسالمة أشوفها واقفة في طريقي.
فكم يشق على الرجل – أي رجل - أن تقارنه زوجته وأم عياله بـ حيطة أخرى، حتى وإن كانت – أي الحيطة – هي الأخرى مجرد حيطة!
أو أتعرفون، دعوني أخبركم إنني "لو لم أكن رجلاً، لوددت أن أكون حيطة"!
***

الخيبة الثانية:
صديقي اشرف من المحاربين القدامى، بل ومن المدافعين باستماتة عن نظرية: "أمشي عدل يحتار عدوك فيك"، فضلاً عن انه من الملتزمين حرفياً بأسطورة "امشي جنب الحيط... تسلم غدر الزمن"!
مع ذلك، فإن اشرف يعد من المخلوقات الأكثر تعرضاً لأذى الآخرين، رغم انه يمشي ملزوقاً في الحيط، بل ومحتضناً أياه!

المحزن في الأمر أن زوجة اشرف صديقي لا تفتأ أن تسأل المحيطين بها، مستغيثة برأيهم، قائلة :
يا ترى العيب في اشرف؟
ولا في الحيطة؟

الحقيقة، إنني ما زلت اشعر بالذنب كلما اضطررت لإجابة سؤالها!
فقد سئمت قولي لها، مخادعاً إياها، مؤكداً عليها في كل مرة، إن العيب أكيد في الحيط، وإن اشرف زي الفل!
خصوصاً وإنني اعلم، كما يعلم صديقي: إن الحيط برئ مني ومنه!
***

الخيبة الثالثة:
صديقنا عصمت من الناس المسيحيين جداً كما يقال، فضلاً عن انه رجل صاحب وجهة نظر خاصة!
عصمت، "صديق القطار"، كما يحلو لبعضنا ان يسميه، كان دوماً يكرر لنا:
- إن الابتسام في وجه عدوك هي مفتاح دخول قلبه!

الغريب في الأمر، انه لم يسبق لأحدنا اكتشاف عصمت متلبساً بارتكاب أي ابتسامة في أي وقت في وجه أي واحد فينا، ولو حتى من باب الصدفة!
بل وللغرابة اننا كنا وما زلنا من اقرب وأصدق أصدقاء عصمت المقربين!

المهم أنني تجاسرت في يوم وقررت اسأله بالنيابة عن أصدقائنا الآخرين عن سر تهجمه، كان هذا بينما يتهادى قطار المنصورة بنا في طريقه إلى محافظة الشرقية، فقلت:
- يا عصمت يا صاحبي، ممكن أسألك سؤال؟

فنظر لي متجهم الوجه، شديد الكآبة، مكفهر الأوداج، قائلاً بعد عناء:
- طبعاً، تقدر تسأل يا محمد.

فقلت، وقد تصنعت إنني أتأمل حقول البرسيم من نافذة القطار، بينما هي تعدو هاربة في رحلتها الأبدية إلى اللانهاية:
- هو لازم يعني يكون احدنا عدو لك يا اخي، حتى نستطيع أن نظفر بابتسامتك يا محترم!


فقال وقد انفرجت أساريره أخيراً عن ابتسامة موناليزية رائعة الجمال:
- من رأيي يا أخ محمد أن بعض الأسئلة، يصعب الحصول على أجوبتها!
قال ذلك وهو يضحك، فطفق الأصحاب حولنا يضحكون في حب، وسلام!
***

الخيبة الرابعة:
مضى الآن أكثر من عشرين سنة، وما زال عم الشيخ إبراهيم مفتي حارتنا على إصراره القديم، حيث يؤكد بحرارة:
- إن الشمس تدور حول الأرض!
وذلك رغم ان أكثر من خريج مدرسة ابتدائية شرح له إن العكس هو الصحيح!

وفي يوم، قابلته – أي الشيخ إبراهيم – وقد أصر أن تجمعني به طلبية شيشة واحدة، على طاولة صغيرة في ظهرانية عم بيومي الشهيرة، فقلت له مداعباً:
- يا شيخ إبراهيم هو أنت لسه مصمم على إن الشمس هي اللي بتدور حول الأرض؟!
فقال: طبعاً يا محمد يا ابني، وهل في ذلك شك!
فقلت: وإيه الدليل؟
فقال: "والشمس تجري لمستقر لها"!
فقلت: طيب!
فقال: عايز تقول إيه يا ابني؟
فقلت: عايز أقول يا شيخنا، إننا إحنا اللي بندور حول أنفسنا ؟
فقال: قصدك إيه؟
فقلت: قصدي انك رجل مؤمن، لكن تفسيرك للآية مُريع!

ثم قمت لأقبل رأسه واعتذر منه، خصوصاً وانها المرة الألف التي افتعل فيها نفس الحوار، مكرراً عليه نفس السؤال، لأسمع منه نفس الإجابة خلال عشرين سنة!
لكن الشيخ إبراهيم لم يتقبل أسفي، بل قام يسب أهلي ويلعنهم، مؤكداً: إنني ملحد وقليل الربايه!

لا أخفي عليكم، أن أكثر ما أصابني بالتعاسة يومئذً، هو انصراف عم الشيخ إبراهيم قبل أن يدفع حساب المشاريب!
فقد كنت ابيض الجيوب مفلساً، ما دفعني بعدها الى الحصول على كمية ضرب مبرح لا مثيل لها فوق قفايّ.
وقد كانت لتؤهلني هذه الضربات المتوالية – أي والله العظيم - لدخول موسوعة جينيس من أوسع أبوابها، نظراً لقوة تحملي، واستجابتي العظيمة في تقبل المزيد منها!
***

خيبة استثنائية:
في لحظة نادرة في ليلة باردة انتابتني مشاعر شتى، هي خليط من الحب والكراهية، فضلاً عن الشعور بالدونية والاضطهاد، عندها سألت نفسي:
- أنتي مين؟
- أنا صورتك الحقيقية؟
- ألهذه الدرجة أنا بشع!
- بل وأكثر!
لا اعلم تماماً كيف انتهى الوضع ليلتها، كل ما اذكره إنني بذلت جهوداً عسكرية مضنية في محاولة بائسة مني لإخفاء حقيقتي التافهة عن نفسي وعن الآخرين!
***

الخيبة الخامسة:
أم أمي الحاجة وجيدة، كانت ديماً ترقع – أي تصرخ - بالصوت الحياني كلما رأتني مقبلاً عليها، مدبراً من احد معاركي الشهيرة مع احد أبناء قريتنا، فكانت تقول:
- حرام عليك يا ابني، انت طالع شيطان لمين، دا أبوك طول عمره راجل في حاله، ولا عمر حد اشتكى منه!

كان عبثياً بطبيعة الحال ان أؤكد لها في كل مرة إن البادي اظلم، وإن العيال هما اللي ابتدوا يسخروا مني، وإني كان لازم افتح راس الواد رجب بالطوبه لأنه شتمني قائلاً للآخرين إنني عبيط!

مع ذلك، فقد عادت جدتي لتهمس لي في ذلك اليوم قائلة:
- أبوك يا محمد كان فتوة في زمانه، وما كان حد يقدر يقول له: بم!
- بم؟!
- أيوه، بم!
- أزاي يا ستي؟
- أبوك كان زمااان، قبل ما يتجوز أمك، كان مسك خفير العمدة وقعد يضرب فيه لحد ما قال حقي برقبتي؟
- وأبويا ضرب الخفير ليه يا ستي؟
- عشان الخفير وقتها قال لأبوك: يا عتال يا معفن!

وقتها حسيت بغيظ من الخفير وقررت اني لازم افتح راسه، مثل ما فتحت رأس رجب ابنه!
والحمد لله فتحتها فعلاً...
لكن يومها نمت في السجن، لكن بصراحة كنت حاسس براحة!
***

الخيبة السادسة:
الأستاذ عبدالهادي - رحمه الله - كان مدرس لغة عربية لا تشق له فتحة، ولا تسهو عن ضميره ضمه أو كسرة.
كان رحمه الله يعاقب طلابه على الأفعال التي يضعونها في غير مناسكها، جزماً منه لا نصباً انه لن يستقيم حال هذه الأمة، ما لم تُرفع قواعد اللغة إلى مقامها الطبيعي المطلق، عطفاً على عطف مع العلوم الرياضية والفكرية الأخرى!

الحقيقة، والحق يقال، كان رجلاً بارعاً في مضماره، طليق اللسان، قوي اللهجة والبيان، بل كان – رحمه الله - من اشد المتحمسين للغة الفصحى، كذلك كان من اللائذين عنها لهو الساخرين بها!

مع ذلك، لم أكن لأقوى على مقاومة الابتسام في ذلك اليوم، عندما مررت على ضريحه، إذ كتب احدهم على شاهد قبره:
"لقد أن توفي أبويا العتره الأستاذ عبدالهادي على مرقده الأخير في هذه القبر"!!

ثم كان هناك أيضاً توقيع صغير بخط غير واضح، أسفل العبارة السابقة يقول: "ابنك سعيد الفصيح بيمسي عليك يا سبوبة العرب"!
وقد كان يقصد - أي الاخ سعيد - فيما يبدو سيبوبه العرب، بقوله سبوبة العرب!

إلا تعتقدون معي إذن، ان الأستاذ عبدالهادي كان سيفضل الموت على أية حال، قبل أن يرى ابنه سعيد الفصيح يرتكب مثل هذه الجرائم في مجرد سطر يتيم!
***

الخيبة السابعة:
من مأثورات عم لطفي الفوال "وهو بالمناسبة أخطر بياع فول في الدنيا" قوله:
"لا شئ في الحياة يعدل طبقاً من الفول بالزيت الحار، على ان يتبعه كوباً من الشاي الكشري المضبوط، المصحوب بأرجيلة معسل اسكندراني، على أن تكون مخلوطة بربع من الحشيش الأسواني المعتبر"!

من المؤسف حقاً، اننا سنفتقد فولك المميز يا عم لطفي بعد ان حكموا عليك بخمس سنوات سجن مع الشغل والنفاذ، وذلك إثر حشيشة اسوانية مميزة، كان رجال الدرك وجدوها ممتدة بين يديك بقوامها الممشوق!
***

الخيبة الثامنة:
كان دوماً يحلو للست أم العربي – بائعة الدخان - التفاخر بقميص نومها الأخضر ذو الشراشيب، على مرأى ومسمع منا عندما كنا صغاراً، فقد كانت تقول:
"أما صحيح زمن غدار، زمان كان شويه شوربة، مدفون فيهم حبة بركة، يخلو عمك ابو العربي زي الحصان، لكن النهاردة خلاص، ولا مليون حبة بركة يعملوا حاجة، الزمن يا أبنائي ما عادش زي زمان"!

مسكين أبو العربي، مات قبل ان يخترعوا الفياجرا بعدة سنوات!
***

خيبة الخيبة:
رغم مرور ثلاث سنوات لي في المهجر، إلا إنني ما زلت اجهل لماذا جئت إلى هنا، كل ما اذكره إني ركبت الخطوط الجوية إياها، وان المضيفة سألتني بغير حماس:
سمك ولا دجاج!

أذكر إنني لم اطلب منها أياً من الوجبتين... فانا لا أحب السمك، كذلك لم يكن باستطاعتي طلب الدجاج!
بطريقة ما كنت اشعر انه لا يحق لي أكل الدجاج، خصوصاً وإنني كنت أؤمن إنني لست أكثر من دجاجة أخرى تركت عشها، وولت هاربة تبحث عن عش آخر في وطن آخر!
***

خلاصة الخيبة:
يقول يوسف بك وهبي، ما الدنيا الا مسرح!
ويقول شكسبير: الدنيا مسرح، ونحن فيه مجرد ممثلين!
ويقول أنا: ما الدنيا الا شويه مجانين...!

(انتهى)

AL_3oooD
09-04-2006, 03:03 PM
الف شكر لك اخوي على النقل

Nathyaa
09-04-2006, 08:50 PM
يعطيك الف عافيه

مجهود اكثر من رائع يا مبدع

~*~عاطفية~*~
09-04-2006, 09:13 PM
يعطيك الف عافيه على النشاااااااااااط يا توفيق :)