Nathyaa
17-12-2005, 09:38 PM
حياة في مهب الريح:
حين يدفع الأبناء ضريبة الخلافات الزوجية
http://www.kwety.net/kwety1/q83/m19fl.jpg
أولاد بــلا مــأوى يعيشون العذاب اليومي
بيروت ـ إسماعيل فقيه:
الحياة الاجتماعية بالنسبة الى كل فرد في أي مجتمع كان، تبقى مقدسة لها ضوابطها وقوانينها، وقبل هذا كله، ترتكز الحياة على أسس لا يمكن العبث بها، وهي أسس الواجبات. فالحياة الأسرية على سبيل المثال، تقوم على علاقات مختلفة بين شرائح وطبقات ووظائف كل فرد من أفراد هذه الأسرة، كل فرد عليه واجبات تجاه الآخر، فالأم من واجبها الاعتناء بأولادها عاطفيا وصحيا وسلوكيا، وكذلك الأب عليه الواجبات نفسها، والأولاد مهما كانت أعمارهم يحتاجون الى رعاية الأهل.
في واقع مختلف ومغاير، ثمة صورة لافتة ولكن بما لا يريح النفس، تبرز جليا وتكون بمنزلة مأساة قاسية.
يعني، حين يحصل الطلاق بين زوجين بعد حياة طويلة أو قصيرة ويكونان قد كوّنا عائلة من عدة أفراد (أولاد)، تحدث المأساة فورا. فبمجرد حصول الطلاق تقع الواقعة على الأولاد، اذ يتفرق الشمل، ويخسر الأولاد الحضن الدافئ والعناية العائلية، وثمة حالات صعبة في المجتمع، برزت بشكل صاخب بعد حدوث الطلاق بين (الأب والأم)، وتشرد الأولاد وتحولت حياتهم باتجاه سيئ، وصل الى حد ارتكاب الجرائم والدخول في متاهات الحياة الصعبة.
حالات الطلاق كثيرة في المجتمع، ولكن أغلبها أحدث شروخا كبيرة في الحياة العائلية، اذ كان لنتيجة هذا الطلاق فعل سلبي على الأولاد الذين خسروا الأم والأب في لحظة مفاجئة، وانتقلوا الى حياة أخرى.
نماذج كثيرة في المجتمع تدل على ذاتها بقليل من الاشارات، نماذج تصرخ بوجه المجتمع وتطالب بحياة طبيعية وعادلة. والواقع يشهد على وقائع لا يمكن حصرها، وفي كل واقعة حكاية يطول شرحها، وثمة وقائع تصلح لتكون موضوعا لرواية أو لأي عمل أدبي آخر.
من كثرة هذه الوقائع استطعت استنطاق عدة أولاد يعيشون اليوم في العراء، بعيدا عن أهلهم والسبب عائد الى حدوث الطلاق بين أمهاتهم وآبائهم.
ليس سهلا ان تتحدث الى صبي أو بنت في عمر طري لم يتجاوز 10 الى 15 سنة، بعد ان ذاقا طعم الحرمان، حرمان عاطفة الأم والأب، ولكن رغم كل هذه المعوقات، استطعت الدخول الى قلوب بعض هؤلاء، فكانت الوقائع التالية:
جوع وتشرد
عبير، لا تفصح سوى عن اسمها الأول، تعيش مع جدتها في منزل متواضع بعد ان طلّق والدها والدتها وتزوج من فتاة (جميلة جدا) وسافرا الى أوروبا للعيش معا.
تبكي عبير قبل ان تعبر عن حالتها وحياتها اليوم بعد الذي حصل بين والديها، وتقول: «منذ أكثر من ثلاث سنوات طلق أبي أمي، لا أعرف سبب الخلاف بينهما، ولكن الذي اعرفه ان أبي تزوج من فتاة جميلة جدا، وسافر معها الى المانيا، ومنذ ذلك التاريخ وأنا أعيش مع جدتي، لأن أبي تركنا، وأمي أيضا تركتنا لا تسأل عنا، فهي تعيش مع أخيها، اما انا وأختي فنعيش بصعوبة مع جدتي لأبي، وتكاد تكون حياتنا أصعب من الجحيم، فجدتي تعيش في بيت متواضع وهي كبيرة في السن، ونحن ـ أنا وأختي ـ نعيش على الصدقات من بعض الأقارب، في حين ان أبي وأمي لا يسألان عنا».
تبكي كثيرا وتقول: «كما ترى نمضي أغلب أوقاتنا في الحدائق العامة، وثمة أوقات يغمى علينا من الجوع والعذاب والتعب.. لا أعرف الى متى ستبقى حياتنا في مهب الريح».
ظلم الأقربين
شقيقة عبير لا تفصح عن اسمها لكنها تعترف بشعورها وتجاهر به: «أنا فتاة مظلومة مثل أختي، نحن لا نطلب من أهلنا سوى إعالتنا ماديا لإكمال علمنا».
تصمت قليلا ثم تقول: «أنا أحب أبي كثيرا ورغم ذلك تركني وركض وراء امرأة، أغوته احدى الجميلات ليتزوجها ويترك أمي، وفي المقابل لم تكن امي عند حسن ظننا فتركتنا وتخلت عنا، تركتنا نواجه القدر ونعيش في الأماكن العامة».
عبير وشقيقتها تعيشان اليوم على حافة الجوع، والألم ينخر حياتهما، والأب يعيش مرتاحا مع زوجته الجديدة غير آبه لصبيتين أنجبهما عن سابق اصرار، والأم تعيش في معاناتها لكنها لا تقترب من ابنتيها «لأن المعاناة يجب ان يعيشها الجميع»، هكذا تنقل عبير وشقيقتها أخبار الأم.
هذا ما جناه والدي
فادي، أيضا يعيش المعاناة نفسها، وفي الحديقة نفسها ويقول: «لقد تعبت من الوحدة ولكن حتى هذه اللحظة، ما زلت مصرا على الحياة».
وأضاف: «أنا لا أسامح أمي ولا أسامح أبي لأنهما تطلقا وذهبا كل واحد في اتجاه من أجل حياة أفضل، ما ذنبي انا واخوتي لكي نعيش بلا أهل، ما الذي اقترفناه لكي نعاقب».
يقول فادي: «نحن ثلاثة أولاد نعيش بلا أهل منذ أكثر من خمس سنوات، نعيش اليوم في منزل عمتي، ونتدبر أمور حياتنا بصعوبة، اما أبي وأمي فانهما في حياة أخرى، يعيشان في المدينة نفسها التي نعيش فيها، ولكنهما خارج السمع وخارج البصر».
رحلة اليأس والانتقام
أيمن شقيق فادي يتحدث بعنف ويقول: «سوف يأتي اليوم الذي انتقم به من أبي لأنه تركنا، أمي لا حيلة بيدها، اما أبي فانه انسان قادر على مساعدتنا (...) يريد ان يتزوج على أمي فهذا شأنه، انه حر في ذلك، اما ان يتركنا فهذا ما لا تقره شريعة ولا تعترف به قوانين».
ويختم كلامه: «ليس لنا سوى الله وعمتي، وان شاء الله سنعيش ونكمل الحياة، وسوف نصل الى مراتب مميزة في الحياة. انا على ثقة بأن الحياة لنا رغم ان أهلي تركونا في مهب العاصفة والحرمان».
خلاصة: بعد جولة في عذابات أولاد فقدوا عاطفة الأهل بسبب لا يبرر هذا الفقدان، وجدت نفسي أمام سؤال الحياة الكبير: لماذا تدخل المأساة الى البيوت الهادئة ولا تخرج؟ الى متى تستمر البشرية بإنتاج العذاب والألم والقهر لنفسها؟
حين يدفع الأبناء ضريبة الخلافات الزوجية
http://www.kwety.net/kwety1/q83/m19fl.jpg
أولاد بــلا مــأوى يعيشون العذاب اليومي
بيروت ـ إسماعيل فقيه:
الحياة الاجتماعية بالنسبة الى كل فرد في أي مجتمع كان، تبقى مقدسة لها ضوابطها وقوانينها، وقبل هذا كله، ترتكز الحياة على أسس لا يمكن العبث بها، وهي أسس الواجبات. فالحياة الأسرية على سبيل المثال، تقوم على علاقات مختلفة بين شرائح وطبقات ووظائف كل فرد من أفراد هذه الأسرة، كل فرد عليه واجبات تجاه الآخر، فالأم من واجبها الاعتناء بأولادها عاطفيا وصحيا وسلوكيا، وكذلك الأب عليه الواجبات نفسها، والأولاد مهما كانت أعمارهم يحتاجون الى رعاية الأهل.
في واقع مختلف ومغاير، ثمة صورة لافتة ولكن بما لا يريح النفس، تبرز جليا وتكون بمنزلة مأساة قاسية.
يعني، حين يحصل الطلاق بين زوجين بعد حياة طويلة أو قصيرة ويكونان قد كوّنا عائلة من عدة أفراد (أولاد)، تحدث المأساة فورا. فبمجرد حصول الطلاق تقع الواقعة على الأولاد، اذ يتفرق الشمل، ويخسر الأولاد الحضن الدافئ والعناية العائلية، وثمة حالات صعبة في المجتمع، برزت بشكل صاخب بعد حدوث الطلاق بين (الأب والأم)، وتشرد الأولاد وتحولت حياتهم باتجاه سيئ، وصل الى حد ارتكاب الجرائم والدخول في متاهات الحياة الصعبة.
حالات الطلاق كثيرة في المجتمع، ولكن أغلبها أحدث شروخا كبيرة في الحياة العائلية، اذ كان لنتيجة هذا الطلاق فعل سلبي على الأولاد الذين خسروا الأم والأب في لحظة مفاجئة، وانتقلوا الى حياة أخرى.
نماذج كثيرة في المجتمع تدل على ذاتها بقليل من الاشارات، نماذج تصرخ بوجه المجتمع وتطالب بحياة طبيعية وعادلة. والواقع يشهد على وقائع لا يمكن حصرها، وفي كل واقعة حكاية يطول شرحها، وثمة وقائع تصلح لتكون موضوعا لرواية أو لأي عمل أدبي آخر.
من كثرة هذه الوقائع استطعت استنطاق عدة أولاد يعيشون اليوم في العراء، بعيدا عن أهلهم والسبب عائد الى حدوث الطلاق بين أمهاتهم وآبائهم.
ليس سهلا ان تتحدث الى صبي أو بنت في عمر طري لم يتجاوز 10 الى 15 سنة، بعد ان ذاقا طعم الحرمان، حرمان عاطفة الأم والأب، ولكن رغم كل هذه المعوقات، استطعت الدخول الى قلوب بعض هؤلاء، فكانت الوقائع التالية:
جوع وتشرد
عبير، لا تفصح سوى عن اسمها الأول، تعيش مع جدتها في منزل متواضع بعد ان طلّق والدها والدتها وتزوج من فتاة (جميلة جدا) وسافرا الى أوروبا للعيش معا.
تبكي عبير قبل ان تعبر عن حالتها وحياتها اليوم بعد الذي حصل بين والديها، وتقول: «منذ أكثر من ثلاث سنوات طلق أبي أمي، لا أعرف سبب الخلاف بينهما، ولكن الذي اعرفه ان أبي تزوج من فتاة جميلة جدا، وسافر معها الى المانيا، ومنذ ذلك التاريخ وأنا أعيش مع جدتي، لأن أبي تركنا، وأمي أيضا تركتنا لا تسأل عنا، فهي تعيش مع أخيها، اما انا وأختي فنعيش بصعوبة مع جدتي لأبي، وتكاد تكون حياتنا أصعب من الجحيم، فجدتي تعيش في بيت متواضع وهي كبيرة في السن، ونحن ـ أنا وأختي ـ نعيش على الصدقات من بعض الأقارب، في حين ان أبي وأمي لا يسألان عنا».
تبكي كثيرا وتقول: «كما ترى نمضي أغلب أوقاتنا في الحدائق العامة، وثمة أوقات يغمى علينا من الجوع والعذاب والتعب.. لا أعرف الى متى ستبقى حياتنا في مهب الريح».
ظلم الأقربين
شقيقة عبير لا تفصح عن اسمها لكنها تعترف بشعورها وتجاهر به: «أنا فتاة مظلومة مثل أختي، نحن لا نطلب من أهلنا سوى إعالتنا ماديا لإكمال علمنا».
تصمت قليلا ثم تقول: «أنا أحب أبي كثيرا ورغم ذلك تركني وركض وراء امرأة، أغوته احدى الجميلات ليتزوجها ويترك أمي، وفي المقابل لم تكن امي عند حسن ظننا فتركتنا وتخلت عنا، تركتنا نواجه القدر ونعيش في الأماكن العامة».
عبير وشقيقتها تعيشان اليوم على حافة الجوع، والألم ينخر حياتهما، والأب يعيش مرتاحا مع زوجته الجديدة غير آبه لصبيتين أنجبهما عن سابق اصرار، والأم تعيش في معاناتها لكنها لا تقترب من ابنتيها «لأن المعاناة يجب ان يعيشها الجميع»، هكذا تنقل عبير وشقيقتها أخبار الأم.
هذا ما جناه والدي
فادي، أيضا يعيش المعاناة نفسها، وفي الحديقة نفسها ويقول: «لقد تعبت من الوحدة ولكن حتى هذه اللحظة، ما زلت مصرا على الحياة».
وأضاف: «أنا لا أسامح أمي ولا أسامح أبي لأنهما تطلقا وذهبا كل واحد في اتجاه من أجل حياة أفضل، ما ذنبي انا واخوتي لكي نعيش بلا أهل، ما الذي اقترفناه لكي نعاقب».
يقول فادي: «نحن ثلاثة أولاد نعيش بلا أهل منذ أكثر من خمس سنوات، نعيش اليوم في منزل عمتي، ونتدبر أمور حياتنا بصعوبة، اما أبي وأمي فانهما في حياة أخرى، يعيشان في المدينة نفسها التي نعيش فيها، ولكنهما خارج السمع وخارج البصر».
رحلة اليأس والانتقام
أيمن شقيق فادي يتحدث بعنف ويقول: «سوف يأتي اليوم الذي انتقم به من أبي لأنه تركنا، أمي لا حيلة بيدها، اما أبي فانه انسان قادر على مساعدتنا (...) يريد ان يتزوج على أمي فهذا شأنه، انه حر في ذلك، اما ان يتركنا فهذا ما لا تقره شريعة ولا تعترف به قوانين».
ويختم كلامه: «ليس لنا سوى الله وعمتي، وان شاء الله سنعيش ونكمل الحياة، وسوف نصل الى مراتب مميزة في الحياة. انا على ثقة بأن الحياة لنا رغم ان أهلي تركونا في مهب العاصفة والحرمان».
خلاصة: بعد جولة في عذابات أولاد فقدوا عاطفة الأهل بسبب لا يبرر هذا الفقدان، وجدت نفسي أمام سؤال الحياة الكبير: لماذا تدخل المأساة الى البيوت الهادئة ولا تخرج؟ الى متى تستمر البشرية بإنتاج العذاب والألم والقهر لنفسها؟